الاتصالات في اليمن.. صراع سيادي واقتصادي بين الحكومة والحوثيين يتجدد عبر «الطيف الترددي»

الاتصالات في اليمن.. صراع سيادي واقتصادي بين الحكومة والحوثيين يتجدد عبر «الطيف الترددي»

الحديدة لايف: خاص - منذ 17 ساعة

في خطوة اعتبرها مراقبون بداية لتحرك حكومي أوسع لاستعادة السيطرة على قطاع الاتصالات في اليمن، أعلنت وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات استكمال مشروع لائحة احتساب أجور الطيف الترددي، للمرة الأولى منذ إقرار قانون الاتصالات عام 1999، في محاولة لتنظيم واحد من أهم الموارد السيادية المرتبطة بالأمن والاقتصاد والاتصالات العسكرية والمدنية في البلاد.

وأكد وزير الاتصالات وتقنية المعلومات شادي باصرة، خلال اجتماع عقد في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، أن اللائحة الجديدة تمثل خطوة سيادية لتنظيم وإدارة الفضاء الترددي في اليمن، عبر وضع آليات واضحة لتسعير استخدام الأطياف الترددية والأقمار الصناعية والاتصالات اللاسلكية، وهي مجالات لم تشهد تحديثًا تنظيميًا منذ أكثر من ربع قرن.

ويأتي هذا التحرك في ظل أزمة مزمنة تعيشها الحكومة اليمنية منذ انقلاب جماعة الحوثي وسيطرتها على العاصمة صنعاء عام 2014، إذ بقيت البنية المركزية للاتصالات والإنترنت تحت سيطرة الجماعة، بما في ذلك شركات الاتصالات والبنية التحتية الرئيسية ومراكز التحكم، وهو ما منح الحوثيين نفوذًا أمنيًا واقتصاديًا واسعًا طوال سنوات الحرب.

ويرى خبراء في الاتصالات والأمن السيبراني أن تحرك الحكومة نحو تنظيم الطيف الترددي لا يمكن فصله عن مساعيها القديمة لإنشاء بنية اتصالات مستقلة في المناطق المحررة، وتقليص الهيمنة الحوثية على هذا القطاع الحساس، خصوصًا بعد فشل محاولات سابقة لنقل مركز إدارة الاتصالات بشكل كامل إلى عدن.

وأوضح خبراء، فضلوا عدم الكشف عن أسمائهم، أن الطيف الترددي لا يمثل مجرد مسألة تقنية مرتبطة بخدمات الهاتف والإنترنت، بل يعد أحد أهم أدوات السيادة الوطنية، نظرًا لدوره في تشغيل شبكات الاتصالات المدنية والعسكرية، والربط الفضائي، وإدارة البث اللاسلكي، وحتى الأنظمة المرتبطة بالموانئ والمطارات والطيران المدني.

وأشاروا إلى أن جماعة الحوثي استفادت خلال السنوات الماضية من عائدات قطاع الاتصالات بشكل ضخم، حيث تحول القطاع إلى أحد أهم مصادر تمويل الجماعة، سواء عبر الإيرادات المباشرة أو من خلال استخدامه في عمليات التجسس والمراقبة الأمنية، إضافة إلى توظيف الأموال في دعم المجهود الحربي واستقطاب الولاءات القبلية.

وبحسب مختصين، فإن وضع لائحة حديثة لاحتساب أجور الطيف الترددي يمنح الحكومة اليمنية أدوات قانونية وتنظيمية لإدارة الترددات ومنح التراخيص ومحاسبة الشركات والجهات المستخدمة للطيف، بما يساعد على بناء سوق اتصالات أكثر استقلالًا وتنظيمًا في المناطق الخاضعة للحكومة.

وأكد خبراء اقتصاديون أن أجور الطيف الترددي تمثل موردًا ماليًا مهمًا للدولة، إذ تعتمد عليها الحكومات في مختلف دول العالم كأحد مصادر الإيرادات السيادية، مقابل منح الشركات حق استخدام نطاقات ترددية محددة لتقديم خدمات الهاتف والإنترنت والبث والاتصالات الفضائية.

وأضافوا أن غياب تنظيم هذا الملف في اليمن منذ عام 1999 أدى إلى حالة من الفوضى والتداخلات الفنية، فضلًا عن خسائر مالية كبيرة، مؤكدين أن تحديث اللوائح قد يفتح الباب أمام استثمارات جديدة في قطاع الاتصالات، خاصة في المحافظات المحررة.

ورغم ذلك، يرى مراقبون أن نجاح الحكومة في تحويل هذه الخطوة إلى مشروع سيادي متكامل سيظل مرهونًا بقدرتها على بناء بنية تحتية مستقلة وآمنة بعيدًا عن نفوذ الحوثيين، إضافة إلى معالجة التعقيدات السياسية والأمنية داخل المناطق المحررة نفسها.

وأشار محللون إلى أن تعثر نقل قطاع الاتصالات إلى عدن خلال السنوات الماضية لم يكن مرتبطًا فقط بالتحديات الفنية واللوجستية، بل أيضًا بحسابات سياسية معقدة، في ظل مخاوف من أن يؤدي امتلاك بنية اتصالات مستقلة ومتكاملة في الجنوب إلى تعزيز النزعات الانفصالية أو تكريس واقع سياسي منفصل عن الدولة المركزية.

وفي هذا السياق، يرى خبراء أن الحكومة اليمنية باتت اليوم أمام اختبار حقيقي، يتمثل في قدرتها على تحويل قطاع الاتصالات من ملف خاضع للصراع والنفوذ إلى مشروع سيادي موحد يخدم الدولة اليمنية ويحد من واحدة من أهم أدوات القوة الاقتصادية والأمنية التي استفادت منها جماعة الحوثي طوال سنوات الحرب.