تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

الحديدة لايف: متابعات - منذ ساعتين

بعد نحو ثمانية أشهر على اغتيال رئيس حكومتهم الانقلابية وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية دقيقة استهدفت اجتماعاً سرياً في صنعاء، لا تزال مليشيا الحوثي الإرهابية تراوح مكانها عاجزةً عن ملء الفراغ بحكومة بديلة، غير أن هذا التعثر، في نظر المراقبين السياسيين، ليس مجرد أزمة تنظيمية عابرة؛ بل هو انعكاس صادق لطبيعة نظام حكم يقوم أصلاً على ازدواجية هيكلية متعمدة، واجهة مؤسسية رسمية، وسلطة فعلية خفية تدار من وراء الستار.

وعود تلاشت في الهواء
حين أعلنت المليشيا عزمها تأسيس «حكومة كفاءات» في إطار ما سمّته مسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، بدا المشهد وكأن صفحة جديدة توشك أن تُفتح، لكن الوعود سرعان ما ذابت دون أثر، ولم تُترجَم إلى أي خطوة على أرض الواقع، مما فتح الباب واسعاً أمام تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت الجماعة راغبة أصلاً في حكومة فاعلة، أم أن بنية الحكم ذاتها تجعل من هذا الخيار ترفاً لا ضرورة.

المشرفون حكومة حقيقية في الظل
تكشف مصادر سياسية مطلعة في صنعاء أن الحوثيين رسّخوا على مدى سنوات سيطرتهم نموذجاً فريداً في الحكم، يرتكز على شبكة موازية من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيم الجماعة، موزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتخطى بمراحل ما يملكه المسؤولون الرسميون.

وقد تعزز هذا النمط بصورة لافتة في أعقاب استشهاد الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح نهاية عام 2017، حين أُعيد رسم خارطة النفوذ داخل الجماعة لصالح الجهاز الموازي، فيما تراجعت الهياكل الحكومية التقليدية إلى دور الديكور الإداري.

وقد ترسّخت لدى المواطنين، عبر السنوات، قناعة راسخة بأن الوزراء والمحافظين ليسوا سوى واجهات تُضفي صبغة رسمية على قرارات تُصنع في دوائر أضيق وأكثر غموضاً. ومن هنا، لم يكن مفاجئاً أن يمرّ غياب الحكومة دون أن يُحدث اضطراباً يُذكر في إدارة الشؤون اليومية.

تسيير أعمال بلا أفق
في مرحلة ما بعد الاغتيال، اكتفت الجماعة بتكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح بتسيير الأعمال، وعيّنت قائمين بأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، متجنبةً الخوض في مسار تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا الاختيار ليس تقصيراً بل سياسة، إذ يعكس إقراراً ضمنياً بأن إعادة تشكيل الحكومة لن تغيّر شيئاً في موازين السلطة الفعلية.

أما القائم بالأعمال فيُنظر إليه أكثر بوصفه مديراً إدارياً منه صاحب قرار، فيما تبقى السلطة الحقيقية حكراً على الدوائر الأمنية والعسكرية المحيطة بقيادة الجماعة.

حكومة تعمل من الأقبية
على الصعيد الميداني، باتت الحكومة الحوثية تُدار من الخفاء حرفياً؛ إذ يمارس أعضاؤها مهامهم من مواقع سرية غير معلنة، بعيداً عن المقرات الرسمية، وسط إجراءات أمنية مشددة فرضها جهاز الاستخبارات عقب الاختراق الذي أدى إلى كشف اجتماع 28 أغسطس الماضي.

والتواصل بين الوزارات لم يعد يجري عبر القنوات المؤسسية المعتادة، بل من خلال وسطاء وأقارب يتنقلون بالمعاملات بين جهات مجهولة، قبل أن تعود القرارات إلى المؤسسات للتنفيذ فحسب.

وفرض جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي على المسؤولين قيوداً صارمة على التنقل والظهور العلني، مما عمّق عزلتهم عن الواقع، وكرّس الطابع اللامؤسسي الذي يسم آليات الحكم برمتها.

وقد جلّى ذلك جلياً خلال زيارة خاطفة وسرية أجراها القائم بأعمال رئيس الحكومة إلى محافظة إب، استقبلها مسؤولون محليون بانتقادات حادة، معتبرين إياها زيارة بلا شفافية ولا نتائج، فيما وُصفت التصريحات الرسمية المرافقة لها بأنها منفصلة تماماً عن هموم المواطن اليومية.