الحوثيون يختطفون شيخاً قبلياً في الجوف بسبب نصرته امرأة تطالب بالعدالة لابنتها المقتولة

الحوثيون يختطفون شيخاً قبلياً في الجوف بسبب نصرته امرأة تطالب بالعدالة لابنتها المقتولة

الحديدة لايف: خاص - منذ ساعتين

اختطفت عناصر مسلحة تابعة لمليشيا الحوثي الشيخَ القبلي البارز حمد بن راشد فدغم الحزمي من محافظة الجوف، في عملية تصعيدية جديدة تستهدف الوجاهات القبلية التي تضطلع بدور الوساطة وحلّ النزاعات وفق الأعراف والتقاليد الراسخة.

وأكدت مصادر محلية متطابقة، أن قوة مسلحة نفّذت عملية مداهمة واسعة النطاق في منطقة اليتمة الخاضعة لسيطرة المليشيا، أسفرت عن اختطاف الشيخ الحزمي واقتياده إلى جهة مجهولة لم يُكشف عنها حتى اللحظة، وجرت العملية تحت إشراف مباشر من القيادي المكنّى «أبو نجيب قعشم»، الذي ينتحل صفة مدير أمن المحافظة دون سند قانوني معترف به.

وتكشف المعطيات المتوفرة أن الدافع المباشر وراء عملية الاختطاف هو تحرّكات الشيخ الحزمي لنصرة امرأة من محافظة ريمة لجأت إليه طالبةً الإنصاف في قضية مقتل ابنتها؛ إذ كان يسعى إلى تسوية النزاع ورفع الظلم عنها عبر التواصل مع أطراف القضية، مستنداً إلى منظومة القوانين والأعراف القبلية المتوارثة - وهو دور اضطلع به أبناء القبيلة اليمنية على مدى قرون دون أن يُجرَّم أو يُعاقَب عليه أحد.

انقلاب على من احتضنهم
لم تكن القبيلة اليمنية يوماً مجرد تجمّع عائلي أو بنية اجتماعية عابرة؛ بل كانت على مدى قرون الإطار الناظم للحياة العامة، والضامن الفعلي للأمن والعدالة والكرامة.

وحين انطلقت مليشيا الحوثي من معاقلها الأولى في صعدة، احتضنتها قبائل يمنية عديدة وأمدّتها بالرجال والسلاح والنفوذ؛ غير أن المليشيا لم تكد تتمكّن من الأرض حتى انقلبت على هذه القبائل ذاتها، وباتت تمارس بحقها ما لم يجرؤ عليه أي طرف في تاريخ اليمن الحديث.

واليوم، باتت القبيلة اليمنية هدفاً مباشراً لسياسة ممنهجة تقوم على ثلاثة محاور: اختطاف وجهائها وشيوخها الذين يُشكّلون مرجعيتها الاجتماعية والأخلاقية، وتفكيك منظومة الأعراف والتقاليد التي تحكم الحياة المجتمعية وتضبط ميزان العدالة، وإخضاع أبنائها قسراً للتجنيد والتعبئة الأيديولوجية.

ومن يرفض من الشيوخ والوجهاء الانصياع لهذا المنطق يجد نفسه خلف قضبان الاحتجاز التعسفي، كما حدث مع الشيخ الحزمي الذي لم يرتكب من «الجريمة» سوى أنه أعمل العرف القبلي في الدفاع عن مظلومة.

المرأة اليمنية.. من الصون إلى الابتزاز
عرفت اليمن على امتداد تاريخها منظومة راسخة من الأعراف الاجتماعية والقبلية والدينية جعلت المرأة في منأى عن الإيذاء المباشر والاستهداف الأمني؛ فقد حرّم العرف القبلي التعرّض للمرأة واعتبره شرفاً جماعياً تصونه القبيلة بأسرها، وكانت المرأة في أشد الصراعات القبلية ضراوةً تمشي آمنةً بين الأطراف المتحاربة.

أما في ظل مليشيا الحوثي، فقد انهارت هذه المنظومة كلياً؛ إذ باتت المرأة اليمنية تواجه اعتقالاً تعسفياً واحتجازاً في منشآت سرية واختفاءً قسرياً - وهي أساليب لم تعرفها المرأة اليمنية في أي حقبة من حقب الصراع.

ويُوظَّف الاعتقال أداةً للضغط على الأسر وابتزاز ذويها، فضلاً عن فرض قيود مشددة على حركة المرأة وحقها في العمل والتعليم والتنقل. وتكشف قضية المرأة الريمية أن مجرد طلب الإنصاف بات يُعرّض كل من يدعم المرأة للاعتقال والانتقام.

يقول مراقبون للشأن اليمني إن ما تمارسه مليشيا الحوثي ضد المرأة يتخطى ما عرفته اليمن في أحلك فترات الاستبداد؛ إذ تحوّلت المرأة من كيان مُصان بالعرف والقانون والدين إلى ورقة ضغط وأداة ابتزاز في يد جهاز أمني يعمل خارج أي رقابة أو محاسبة.

الرأي القانوني
تُشكّل عملية اختطاف الشيخ الحزمي في سياقها الموثّق انتهاكاً صريحاً وجسيماً لأحكام القانون الدولي الإنساني والمنظومة الحقوقية الدولية.

فعلى صعيد الحرية الشخصية، يُجرّم العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية كلَّ ضرب من ضروب الاحتجاز التعسفي، ويُلزم السلطات القائمة بالإفصاح فوراً عن أسباب الاعتقال وموقع الاحتجاز؛ وما جرى للشيخ الحزمي من احتجاز في مكان مجهول دون توجيه اتهام أو إحالة إلى أي جهة قضائية يُعدّ اختفاءً قسرياً بكل ما تحمله هذه الجريمة من ثقل قانوني في إطار اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1992.

وعلى صعيد استهداف الوسطاء والمصلحين، يكفل القانون الدولي الإنساني الحمايةَ الصريحة لكل من يضطلع بأدوار الوساطة وتسوية النزاعات؛ واستهداف الشيخ الحزمي بسبب تدخّله للدفاع عن امرأة مظلومة يُشكّل اعتداءً مُبيَّتاً على هذا الدور الإنساني المحمي.

أما على صعيد حقوق المرأة، فيُجسّد ما آل إليه وضعها في مناطق سيطرة الحوثيين انتهاكاً منهجياً لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة «سيداو»؛ إذ بات اللجوء إلى العدالة ذريعةً لملاحقة كل من يدعمها أو يتبنّى قضيتها.

وتنطوي هذه الوقائع مجتمعةً على جرائم يختص بها القانون الدولي الجنائي قد ترقى إلى مستوى جرائم الحرب حال إثبات طابعها الممنهج؛ ويتعيّن توثيقها ورفعها إلى الفريق الأممي لخبراء اليمن وآليات المحاسبة الدولية، استناداً إلى قرار مجلس حقوق الإنسان الأممي رقم 36/31.

طمس الهوية.. الهدف الأعمق
يرى المحللون أن استهداف القبيلة والمرأة في آنٍ معاً ليس عشوائياً؛ بل هو مسعى أيديولوجي مدروس يهدف إلى إفراغ المجتمع اليمني من مرجعياته الأصيلة - قبيلةً وعرفاً وقانوناً وتديّناً معتدلاً - وإحلال ولاء أحادي للجماعة وفكرها الإمامي محلّها جميعاً. فكل شيخ قبلي يُختطف هو إضعاف لبنية اجتماعية بأكملها، وكل امرأة تُحتجز هي رسالة رعب تُوجَّه إلى مجتمع بأسره.

واليمن الذي عرف تاريخياً توازناً دقيقاً بين سلطة الدولة ونفوذ القبيلة وقدسية العرف، يجد نفسه اليوم أمام مشروع تفكيك ممنهج لكل هذه الطبقات، في مشهد يصفه مراقبون بأنه الأشد خطورة على النسيج الاجتماعي اليمني منذ عقود - وقد بدأ يوم احتضنت القبيلة من سيعود ليطعنها.