في خطوة تكشف عن تحولات عميقة في استراتيجية طهران الإقليمية، كشفت مصادر أمنية رفيعة، أن إيران تعمل بصمت على إعادة تشكيل منظومة تحالفاتها في اليمن، من خلال السعي لجسر الهوة بين مليشيات الحوثي وتنظيم الإخوان المسلمين ممثلاً بحزب الإصلاح، بهدف ضمهم إلى ما بات يُعرف بـ"محور المقاومة".
طلبات إيرانية مباشرة لقيادة الحوثيين
ووفقاً للمصادر المطلعة على تفاصيل هذه التحركات، فإن الجانب الإيراني تقدم بطلبات صريحة لقيادة الحوثيين، وصلت إلى زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي شخصياً، تقضي بـ"اعتماد مقاربة جديدة كلياً في التعامل مع تنظيم الإخوان داخل اليمن"، وفقًا لما ذكره موقع العين الإخباري.
وتضمنت هذه الطلبات ثلاثة محاور رئيسية، وهي فتح حوار مباشر مع قيادات حزب الإصلاح للوصول إلى قواسم مشتركة، و الإفراج عن معتقلي الإصلاح المحبوسين والمختطفين لدى الجماعة، باعتبارها خطوة أولى لبناء الثقة وتمهيد أرضية التقارب.
إضافة إلى تجهيز وفد من قيادات الإخوان المتواجدين في صنعاء للقاء مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى في دولة إقليمية ستُحددها طهران لاحقاً.
استراتيجية الاحتواء الإيرانية.. نموذج حماس يتكرر
لا تأتي هذه التحركات من فراغ، إذ تكشف المصادر أن طهران تتبنى استراتيجية واضحة للاحتواء تقوم على ثلاثة ركائز، وهي استغلال موقف الإخوان الرافض لما تصفه بـ"حروب إيران"، والاستناد إلى نموذج دعم حماس دليلاً على قدرتها على احتضان الحركات الإسلامية السنية، وفتح قنوات تواصل مع فروع التنظيم على مستوى المنطقة بأسرها لإنتاج مواقف مشتركة وبيانات موحدة.
والهدف النهائي من كل ذلك، بحسب المصادر، هو "تحويل الإخوان إلى ورقة ضغط بيد طهران، على غرار ما هو حاصل مع مليشيات الحوثي وحركة حماس".
وقد أسهمت مواقف علنية لقيادات إخوانية في تسريع هذا التقارب؛ إذ أصدر مفتي محافظة تعز المنتسب لحزب الإصلاح، علي القاضي، فتوى داعية للوقوف مع إيران رغم توصيفها بالعداء للعرب، وهي خطوة كشفت عن عمق التحولات الجارية في مواقف التنظيم.
جذور العلاقة.. أيديولوجيا مشتركة قبل المصالح
ما يجعل هذا التقارب ممكناً ليس مجرد حسابات سياسية آنية، بل ثمة جذور أيديولوجية ضاربة في العمق؛ فالمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي كان متأثراً بفكر المنظّر الإخواني سيد قطب، وعمل على ترجمة كتبه إلى الفارسية، ومنها "معالم في الطريق".
وقد أتاح هذا التلاقي الفكري لكلا الطرفين التقارب منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، حين سارع كبار قادة الإخوان، ومنهم مفوضا العلاقات الدولية يوسف ندا وإبراهيم صلاح الدين، إلى زيارة طهران وتهنئة الخميني وعرض الدعم عليه.
زواج مصلحة" في مواجهة الضغوط المشتركة
يرى المراقبون أن ما يجري اليوم هو تكيّف براغماتي مع ضغوط متراكمة؛ فإيران تسعى لتوسيع محورها أفقياً في مواجهة الصدمات الأخيرة، فيما يجد الإخوان أنفسهم أمام تضييق إقليمي حاد وتراجع في النفوذ وفقدان للملاذات الآمنة، لا سيما في ظل التهديد الأمريكي بتصنيفهم منظمة إرهابية.
وفي هذا السياق، أوضح طارق البشبيشي، الخبير في شؤون الحركات الإسلامية، في تصريحات سابقة لـ"العين الإخبارية"، أن دعم الإخوان لطهران "متوقع ومنطقي"، مشيراً إلى أن الجماعة "تدرك أن انهيار نظام الولي الفقيه سيكون ضربة موجعة لها، نظراً لعمق العلاقات وتشابك المصالح بين الطرفين".
وفي المشهد اليمني تحديداً، تهدف إيران من وراء بناء هذه التفاهمات إلى تأمين الغطاء الداخلي للحوثيين وشرعنة سيطرتهم، بينما يبحث الإخوان عن مظلة إقليمية تقيهم من الإقصاء والتهميش في مرحلة بالغة الحساسية.