أحرق مواطن يمني نفسه داخل أحد مساجد مدينة مأرب، مساء الإثنين 11مايو 2026، في حادثة صادمة تُلقي بظلالها الثقيلة على واقع إنساني آخذ في التدهور.
أقدم الرجل، الذي عُرِّف بأنه عبدالواحد علي حسن، من محافظة إب، وفي العقد الرابع من عمره، على سكب مادة بترولية على جسده عقب أداء صلاة المغرب في «جامع البقماء»، وسط ذهول تام من المصلين الذين هرعوا لإخماد النيران فور اشتعالها؛ غير أن الحريق كان قد أتى على أجزاء واسعة من جسده قبل أن يُطفأ.
ونقل المصاب فور ذلك إلى مستشفى مأرب العام في حالة بالغة الخطورة، وأفادت مصادر طبية بأنه يعاني من حروق من الدرجتين الثانية والثالثة، وأُودع قسم العناية المركزة وسط مخاوف جدية من تدهور حالته جراء عمق الإصابات وتأثرها في الأجهزة الحيوية.
وتضاربت الروايات حول دوافع الحادثة؛ إذ أشارت مصادر محلية إلى أن الرجل يعاني من اضطرابات نفسية حادة تفاقمت مؤخراً، في حين كشفت مصادر أخرى أنه جندي في صفوف القوات الحكومية، وأن إقدامه على هذا الفعل جاء تحت وطأة تراكم الديون وعجزه عن الوفاء بمتطلبات أسرته، في ظل تأخر صرف الرواتب وارتفاع حاد في تكاليف المعيشة.
ولم تُصدر الأجهزة الأمنية في مأرب حتى لحظة كتابة هذا الخبر أي بيان رسمي يوضح نتائج التحقيق أو يحدد الدوافع بصورة قاطعة.
آراء يمنيون
وعلى منصات التواصل الاجتماعي، اشتعل الجدل بين اليمنيين الذين تناقلوا خبر الحادثة بمزيج من الصدمة والغضب والمرارة.
كتب أحد الناشطين: «ذهب ليحرق نفسه في المسجد لأن من سرقوا مرتباته ومستحقاته من المصلين، ذهب ليحرق نفسه في المسجد لأن من جوّعوه يصلون في الصف الأول».
ووصف ناشطون الحادثة بأنها «صرخة وجع» تجسّد معاناة آلاف الأسر في مأرب، التي باتت تعيش تحت وطأة الغلاء الفاحش وانهيار القيمة الشرائية للريال اليمني.
وطالب مدونون ومهتمون الجهاتِ الرسمية بالالتفات الفوري إلى الوضع الإنساني المتردي، وتفعيل برامج الدعم النفسي والاجتماعي للنازحين والمتضررين من الحرب، مؤكدين أن الصمت الرسمي لن يُطفئ جمرات اليأس المتراكم.
حين يصبح الجسد آخر ما يملكه الإنسان
ليست حادثة مأرب حدثاً معزولاً، بل هي انعكاس صارخ لأزمة إنسانية متشعبة الجذور، تتقاطع فيها عوامل اقتصادية وسياسية ونفسية في بلد لم يعرف الاستقرار منذ أكثر من عقد.
اقتصاد الحرب وجريمة الراتب المحتجز
يمثل تأخر الرواتب في اليمن أحد أشد أوجه الأزمة فتكاً بالكرامة الإنسانية؛ فمنذ عام 2016، وملايين الموظفين والعسكريين يواجهون توقفاً شبه كامل أو تأخراً ممنهجاً في استلام مستحقاتهم. وفي سياق كهذا، لا يعود الراتب مجرد حق مالي، بل يغدو خطاً فاصلاً بين الكرامة والانهيار.
وحين يعجز الرجل عن إطعام أبنائه رغم سنوات من الخدمة والتضحية، تتآكل صورته عن نفسه تدريجياً حتى يُصبح الجسد هو الورقة الأخيرة في يده.
اختيار مكان ذو دلالة
لم يكن اختيار المسجد فعلاً عشوائياً؛ فالمسجد في الوجدان اليمني هو الفضاء الأكثر رمزية، وهو ملاذ الضعيف، ومجمع الجماعة، والشاهد الأخلاقي.
أن يختار إنسان هذا المكان تحديداً لتنفيذ فعله اليائس، إنما يعني أنه يوجّه اتهاماً صريحاً لمن يتشاركون معه هذا الفضاء، ولمنظومة تتعبد بالكلام وتنام على حقوق الآخرين.
الحادثة في جوهرها ليست انتحاراً فردياً بقدر ما هي صرخة عمومية في وجه منظومة فشل اجتماعي وسياسي متراكم.
النزوح وتضاعف الهشاشة النفسية
تستضيف مأرب أعداداً هائلة من النازحين الداخليين، يقدّر بعضهم بمئات الآلاف ممن فقدوا بيوتهم ومصادر رزقهم وشبكاتهم الاجتماعية.
هذا الاقتلاع المتراكم ينتج ما تصفه الدراسات النفسية بـ«اليأس المكتسب»؛ أي الحالة التي يتوقف فيها الفرد عن الإحساس بأي قدرة على التأثير في واقعه، فيلجأ إلى أشد الأفعال إيلاماً كرسالة أخيرة.
وفي غياب منظومة صحة نفسية فاعلة، وانهيار شبكات الدعم الأسري والمجتمعي، تتحول هذه الحالات من استثناء إلى نمط.
الصمت الرسمي شريك في الجريمة
الغياب المديد لبيان رسمي حول الحادثة ليس محايداً؛ إنه رسالة سلبية تُعلن أن هذه الحياة لا تستحق تفسيراً.
والحوادث المشابهة حين تمر دون محاسبة أو استجابة مؤسسية، تُفقد المواطنين الثقة في وجود أي مرجعية تحمي حياتهم. والحكومات التي تُصمت على صرخات اليأس تزرع بذور الغضب الجماعي الذي لا يُعرف متى يتحول من جمر فردي إلى حريق عام.
حادثة مأرب مرآة لا يجب أن تُكسر بالتجاهل؛ خلفها جندي كان يحمل سلاحاً للدفاع عن بلد، ثم وجد نفسه يحمل علبة بترول للدفاع عن كرامته.
المعالجة الحقيقية لهذه الظاهرة لا تكون بالبيانات الرسمية وحدها، بل بصرف الرواتب المتأخرة، وبناء شبكة صحة نفسية وطنية، وفتح قنوات شفافة للمحاسبة، قبل أن يختار يمنيون آخرون النار على الصمت.