يمثل الهجوم الذي استهدف موكب القائد في ألوية العمالقة، الشيخ حمدي شكري، في منطقة "جعولة" بمديرية دار سعد في عدن، أكثر من مجرد حادثة أمنية معزولة، فهو يأتي في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، مما يفتح الباب أمام عدة فرضيات تتعلق بفاعله وأهدافه، في مشهد تتشابك فيه خيوط التنافسات المحلية والإقليمية مع نشاط التنظيمات المتطرفة.
التوقيت
توقيت الهجوم هو أحد مفاتيح فهم الهجوم، فقد وقع في وقت بالغ الدقة، حيث بدأت الحكومة المعترف بها دوليًا تنفيذ ترتيبات لإعادة هيكلة المنظومة الأمنية في عدن، تتضمن إخراج المعسكرات من داخل المدينة ودمج القوات تحت مظلة "قوات الأمن الوطني.
العملية الإرهابية التي تستهدف توحيد الصف وفرض سيطرة الدولة، تهدد مصالح العديد من الأطراف المحلية التي تتمتع بنفوذ وسلطة في ظل الانقسامات الحالية، وبالتالي، فإن أي هجوم يهدف إلى زعزعة الأمن وإثبات فشل هذه الترتيبات يصب في مصلحة أولئك الرافضين لهذا التوحيد، سواء كانوا تنظيمات إرهابية تسعى للعمل في بيئة مضطربة، أو قوى سياسية وعسكرية محلية تخشى على امتيازاتها ونفوذها.
الخصم الأيديولوجي
يظل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب المتهم الرئيسي الأول في هكذا عمليات، خاصة في جنوب اليمن، فالتنظيم لديه سجل طويل من استهداف القادة العسكريين والأمنيين في محافظات مثل أبين ولحج وعدن ذاتها، مستخدمًا أساليب مماثلة كالسيارات المفخخة.
على الرغم من أن تنظيم القاعدة يقترب أيديولوجيًا من التيار السلفي الجهادي الذي قد تنتمي إليه شخصية مثل الشيخ حمدي شكري، إلا أن التنظيم يعادي أي قوة تتصدر المشهد وتنافسه على النفوذ، بغض النظر عن خلفيتها الفكرية.
وقد أظهر التنظيم مرونة تكتيكية في التحالفات، حيث أبدى في الأعوام الأخيرة، تعاطفًا غير معتاد مع حزب الإصلاح ضد خصوم مشتركين مثل المجلس الانتقالي الجنوبي، وهذا يعني أن دوافعه قد تكون مصلحية بحتة تهدف إلى خلق الفوضى واستعادة الزخم في مناطق يشعر فيها بتراجع نفوذه بسبب العمليات العسكرية ضده.
العدو التقليدي
الفرضية الأخرى الأكثر تعقيدًا تتعلق بمليشيا الحوثي. فهي العدو التقليدي لألوية العمالقة والحكومة في عدن، ولديها سجل واضح في استهداف القادة والمناسبات العسكرية في الجنوب عبر صواريخ باليستية وطائرات مسيرة، كما حدث في هجوم معسكر الجلاء الشهير عام 2019، ما يغذي فرضية تورطهم أو استفادتهم من الهجوم عدة عوامل.
العامل الأول "التوقيت"، ويصب الهجوم في مصلحة الحوثي الإستراتيجية المتمثلة في إثبات أن عدن "غير آمنة" وعاجزة عن حماية قادتها، مما يقوض شرعية الحكومة اليمنية التي تسعى لفرض الأمن والاستقرار بعد الأحداث الأخيرة مع المجلس الانتقالي الجنوبي.
العامل الثاني التنسيق المشترك، وتوجد تقارير وتحليلات أمنية تشير إلى وجود تفاهمات تكتيكية أو حتى تحالفات مؤقتة بين الحوثيين وتنظيم القاعدة، تستند إلى مبدأ "عدو عدوي صديقي".
ويؤكد هذا إطلاق الحوثيين سراح عناصر من القاعدة من سجونهم في صنعاء، وهو ما قد يُفسر على أنه محاولة لتوجيه نشاط التنظيم ضد خصومهم المشتركين في الجنوب، هذا لا يعني بالضرورة أن الحوثيين نفذوا الهجوم بأيديهم، لكنه قد يشير إلى مناخ من توافق المصالح يسمح للقاعدة بالتحرك في مناطق قد تستفيد منها ميليشيا الحوثي.
ضرب الاستقرار وخلط الأوراق
بعيدًا عن تحديد الفاعل المباشر، يبدو أن الهدف المركزي للتفجير واضح، يسعى إلى عسكرة المشهد السياسي وإفشال أي مسار نحو الاستقرار، فالهجوم يرسل رسائل متعددة؛ للحكومة بأنها غير قادرة على حماية عاصمتها المؤقتة، وللمجتمع الدولي بأن اليمن لا يزال بيئة خصبة للإرهاب، وللقوى المحلية بأن عملية الدمج الأمني الهشة يمكن تقويضها بسهولة.
كما أنه يخلط الأوراق ويصعب تحديد المسؤول، مما يزيد من حدة الاتهامات المتبادلة بين المكونات اليمنية ويشتت الجهود عن الهدف الأسمى المتمثل في استعادة الدولة.
وفي ضوء التعقيدات السابقة، فإن تفجير دار سعد يظهر كنتاج طبيعي لبيئة يمنية تعاني من انهيار الدولة واستمرار الصراع، بينما تحمل بصمات تنظيم القاعدة من حيث الأسلوب والتاريخ، إلا أن توقيت الهجوم وأهدافه يتقاطعان بشكل كبير مع مصالح الحوثيين، ومع مصالح أطراف محلية قد تتضرر من إعادة الهيكلة.
الأرجح أن الفاعل استغل هذا التداخل لتنفيذ عمليته، سواء كان دافعًا بأجندة أيديولوجية بحتة أو مستفيدًا من توافق مصالح مؤقت مع أطراف أخرى.
في النهاية، الضحية الحقيقية هي أي أمل في استقرار عاجل لليمن، حيث تبقى لعبة إلقاء التهم و"خلط الأوراق" هي الرابح الأكبر، على حساب الشعب اليمني ومساعيه نحو السلام.