أعلنت مليشيا الحوثي الإرهابية الذراع الإيرانية في اليمن شن هجمات صاروخية على إسرائيل، وحظر الملاحة على السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر، معلنين أن أي تحركات إسرائيلية في البحر الأحمر ستُعتبر «أهدافاً عسكرية».
جاء ذلك بالتزامن مع التصعيد المباشر بين إسرائيل وإيران، قبل أيام وجيزة من إعلان اتفاق بين واشنطن وطهران، بحسب ما أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن قرب إعلان الاتفاق خلال أيام..
التوقيت لافت بامتياز في نظر مراقبين متخصصين، إذ يكشف أن بيان الحوثيين الصادر اليوم، لم يأتِ وليد اللحظة، بل جاء ثمرةً لخطاب زعيم الجماعة قبل ثلاثة أيام حين أعلن «الجهوزية الكاملة» و«التنسيق التام» مع الحلفاء الإقليميين، وهو ما تحوّل اليوم من تصريح إلى واقع ميداني.
ويرى المراقبون أن التزامن في إطلاق الصواريخ الإيرانية والهجمات الحوثية في اليوم ذاته يُمثّل دليلاً إجرائياً على ما كان يُوصف حتى أمس بـ«التنسيق»، إذ لا يمكن عقلاً أن تتحرك جبهتان متباعدتان جغرافياً في التوقيت نفسه دون وجود غرفة عمليات مشتركة تُدير الإيقاع وتحدد التسلسل.
وبينما أشارت تقارير إلى أن الهجوم الإسرائيلي على إيران استهدف أهدافاً محددة دون مشاركة واشنطن، مع تقديرات أمريكية بأن العملية حملت رسائل ردع محسوبة لتفادي تصعيد واسع، يرفض مراقبون هذه القراءة التهوينية، مؤكدين أن ما يجري ليس تبادلاً ثنائياً بين إسرائيل وإيران، بل حرب متعددة الجبهات تُديرها طهران عبر منظومة أذرع إقليمية تتحرك بتنسيق دقيق.
والمعطيات التاريخية تُعزز هذه القراءة؛ فمنذ اندلاع الحرب في أواخر فبراير 2026 أطلقت إيران عشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة مستهدفةً إسرائيل ودول الخليج من السعودية إلى الإمارات والكويت والبحرين وقطر وعُمانظت وانضم إليها الحوثيون وحزب الله في مراحل متتالية، في نمط يؤكد أن القرار التشغيلي لهذه الجبهات ليس منفصلاً بل مُتسلسل وفق أولويات تحددها طهران.
ويستوقف المراقبين بشكل خاص الاستهداف الإيراني لدول الخليج في مطلع الحرب؛ إذ يرون في ذلك مؤشراً على أن المشروع الإيراني لا يستهدف إسرائيل وحدها، بل يسعى إلى إخضاع المنطقة العربية برمّتها، ومنطقة الخليج تحديداً، تحت هيمنة إيرانية مباشرة أو غير مباشرة، عبر مزيج من الإرهاب الصاروخي والضغط البحري وتفعيل الأذرع المحلية.
وكانت إيران قد حذّرت الأحد من هجمات «أشد إيلاماً» إذا واصلت إسرائيل ضرباتها على لبنان، واتهمت إسرائيل بأنها تتصرف بضوء أخضر أمريكي وأنها «تجاوزت جميع الخطوط الحمراء» وهي لغة يرى المراقبون أنها مُصمَّمة للاستهلاك الداخلي والإقليمي أكثر من كونها تعبيراً عن موقف دفاعي، إذ إن إيران هي من بادرت بإطلاق الصواريخ رداً على ضربات تجاوزت حزب الله إلى الأراضي الإيرانية ذاتها.
وفي هذا السياق، يقرأ المراقبون بيان الحوثيين اليوم قراءةً مختلفة عمّا يبدو عليه ظاهرياً من كونه ردّ فعل دفاعياً على أحداث جارية؛ فهم يرون أنه تنفيذ لخطة مُعدّة سلفاً، وأن إعلان «حظر الملاحة الكاملة» في البحر الأحمر بُنيَ على قرار استراتيجي سابق لا على مُستجدات اللحظة.
ذلك أن الإعداد العسكري للصواريخ ومنظومات الاستهداف لا يمكن أن يتم في ساعات، مما يعني أن الساعة الصفر كانت محددة مسبقاً في غرفة العمليات المشتركة.
ولا يفوت المراقبين الإشارة إلى البُعد البحري في المعادلة، إذ يرون أن استهداف الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب يُكمل الضغط الإيراني على مضيق هرمز من الجانب الآخر، مما يجعل التجارة العالمية رهينةً لإرادة طهران من شرق الجزيرة العربية إلى غربها في آنٍ واحد، وهو ما يصفونه بأنه الهدف الاستراتيجي الأعمق، إثبات أن إيران تملك مفاتيح شرايين الاقتصاد العالمي، وأن أي مواجهة معها ستكون ذات ثمن يتجاوز الحدود الإقليمية.
ويرى المراقبون، أن ما يجري اليوم ليس سلسلة من ردود الأفعال المتبادلة، بل مشهد تنفيذي لمشروع إيراني أُعدّ له على مدى سنوات، وهو توظيف الهدنات لإعادة التسليح، وتحديد الجبهات وترتيب تسلسلها، وربط خيوط الأذرع الإقليمية بيدٍ مركزية واحدة، بحيث يصعب على أي طرف دولي التفاوض مع «اليمن» بمعزل عن طهران، أو مع «لبنان» بمعزل عن قرار الحرس الثوري.
ويكشف المراقبون، أن جولة المباحثات السابقة بين واشنطن، وطهران، كانت عبرة عن خدعة إيراني، للاستعداد التصعيد، واستخدمت فترة التهدئة لإعادة تسليح الحوثيين وتدريبهم ودمجهم في منظومة القيادة والسيطرة الإقليمية.
ويقول المراقبون، أن التحرك المتزامن لكل الأذرعة الإيرانية، يشير إلى أن إيران باتت على استعداد تام لإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، على مراحلة متعددة.
المرحلة الأولى، وفق مراقبين، كانت السيطرة على الدولة اليمنية عبر ذراع محلية (الحوثيون) وتحويلها إلى قاعدة خلفية متقدمة.
أما المرحلة الثانية هي فرض «وصاية إيرانية» على الخليج عبر التهديد المستمر للملاحة وخطوط الطاقة، وزرع الرعب في الممرات المائية الحيوية كباب المندب وبحر العرب.
والمرحلة الثالثة، حينما تتهيأ الظروف، قد تشمل عمليات احتلال غير مباشر عبر أذرع محلية في دول الخليج، بنفس نموذج اليمن، جماعات مسلحة موالية لإيران تفرض الأمر الواقع تحت شعارات المقاومة والتصدي للعدوان.