في تطور يكشف حجم التناقض في خطاب مليشيا الحوثي الإرهابية، قال وزير الخارجية الأمريكي، يوم الخميس 16 أبريل، إن الجماعة «أصبحت خارج الصراع»، واصفاً ذلك بأنه «قرار جيد»، في إشارة أثارت تساؤلات واسعة حول طبيعة التفاهمات غير المعلنة بين الحوثيين وواشنطن.
وتأتي هذه التصريحات في خضم تصعيد إقليمي غير مسبوق، على خلفية المواجهة الأمريكية – الإسرائيلية مع إيران، ودخول أطراف إقليمية على خط الأزمة، وهو ما يضع سلوك الحوثيين تحت مجهر الشكوك، خصوصاً في ظل ادعاءاتهم المستمرة بتبني قضايا الأمة وعلى رأسها فلسطين.
وبحسب معلومات متطابقة، كانت مليشيا الحوثي قد قدمت تعهدات غير معلنة لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى جانب السعودية، بعدم الانخراط في أي مواجهة عسكرية مرتبطة بإيران، في وقت كانت تواصل فيه تسويق نفسها إعلامياً كجزء من «محور المقاومة».
غير أن هذه التعهدات سرعان ما اصطدمت بتدخل مباشر من الحرس الثوري الإيراني، الذي يدير فعلياً قرار الجماعة، حيث تشير المعطيات إلى أنه تم الضغط على زعيم المليشيا عبدالملك الحوثي للدخول في المواجهة بشكل شكلي في 28 مارس الماضي، عبر تنفيذ هجمات محدودة باتجاه إسرائيل، وُصفت بأنها «رمزية وغير مؤثرة»، في محاولة لحفظ ماء الوجه أمام أنصاره.
ويرى مختصون في الشأن السياسي أن الإشادة الأمريكية بما وصفته «خروج الحوثيين من الصراع» تمثل في جوهرها رسالة شكر غير مباشرة للجماعة، على التزامها بالتفاهمات الأمنية وعدم تصعيد الوضع في البحر الأحمر أو استهداف المصالح الحيوية، رغم الخطاب التصعيدي الذي تتبناه في إعلامها.
ويؤكد محللون أن هذا التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة يفضح طبيعة المشروع الحوثي، الذي يستخدم القضية الفلسطينية كأداة دعائية لحشد الأنصار، بينما يدير في الخفاء شبكة تفاهمات مع خصومه المعلنين، بما يضمن بقاءه واستمراره كأداة وظيفية في التوازنات الإقليمية.
ويشير مراقبون إلى أن امتناع الحوثيين عن فتح جبهات حقيقية، مقابل الاكتفاء بهجمات استعراضية محدودة، يعكس سقف الدور المرسوم لهم، والذي لا يتجاوز حدود الضغط الإعلامي والسياسي، دون المساس بالتفاهمات الكبرى في المنطقة.
ويذهب مختصون إلى أن الجماعة، التي ترفع شعارات «نصرة غزة» و«مواجهة إسرائيل»، باتت عملياً جزءاً من معادلة ضبط الصراع، لا تفجيره، وهو ما يفسر حالة «الامتنان» غير المعلنة من قبل واشنطن، التي ترى في سلوك الحوثيين عاملاً مساعداً على احتواء التصعيد، لا توسيعه.
ويخلص التحليل إلى أن مليشيا الحوثي تمارس واحدة من أكثر الازدواجيات وضوحاً في المنطقة؛ خطاب تعبوي موجه للجمهور، يقابله سلوك براغماتي قائم على عقد الصفقات والالتزامات السرية، وهو ما يضع مصداقيتها أمام اختبار حقيقي، خاصة في ظل انكشاف أدوارها المتشابكة بين طهران وواشنطن على حد سواء.