يتصاعد الجدل في الأوساط السياسية والأكاديمية حول المقاربة الأمثل لإنهاء التهديد الذي تمثله مليشيا الحوثي على الملاحة الدولية في البحر الأحمر؛ إذ يرى مراقبون ومختصون أن المعادلة باتت واضحة لا تقبل الجدل، لا أمن بحرياً مستداماً دون استعادة السيطرة البرية، وهي المقاربة ذاتها التي يتبناها مجلس القيادة الرئاسي اليمني، غير أنها لا تزال تحتاج إلى إقناع المجتمع الدولي بها مراراً وتكراراً، في وقت تثبت فيه الوقائع صحتها يوماً بعد يوم.
ويطرح المختصون تساؤلاً جوهرياً، وهو لماذا يستلزم الأمر إقناعَ الخارج بضرورة الحل العسكري لتحييد مليشيا الحوثي وراعيتها طهران؟ والجواب في نظرهم لا يحتمل كثيراً من التأويل؛ فالمجتمع الدولي يتحمل قدراً كبيراً من المسؤولية عن تعاظم هذا التهديد، إذ أسهمت قيوده وضغوطه في منع القوات اليمنية من تحرير أراضيها، فأبقى بذلك على المليشيا وأتاح لها الوقت والمساحة لتعزيز قدراتها.
ومن ثمّ فإن المطلوب اليوم، وفق هؤلاء، ليس موقفاً جديداً بل تصحيح لخطأ كارثي ارتكب في حق اليمن والمنطقة والعالم.
الملف اليمني وتشابك خيوط المنطقة
ولا يرى المراقبون إمكانيةً لمعالجة الملف اليمني بمعزل عما يجري في محيطه الإقليمي، مشيرين إلى أن طهران هي من بادرت إلى هذه التجزئة حين أبقت على حزب الله خارج أي تفاهمات مع واشنطن وتل أبيب، فيما واصل وكلاؤها في اليمن تهديد الممرات البحرية الدولية.
ويرون أن هذا النهج الإيراني المحسوب يستدعي استجابةً إقليميةً ودولية موحدة، لا مقارباتٍ مجزأة تعالج الأعراض دون الأسباب.
ويلفت المختصون إلى مؤشر لافت في هذا الإطار؛ إذ أقدم المجتمع الدولي على سحب الفريق الأممي المنوط بمراقبة وقف إطلاق النار من محافظة الحديدة، وهو ما يُفسّره هؤلاء بوصفه ضوءاً أخضر غير مباشر منحته الأمم المتحدة للحكومة اليمنية لاستئناف عملياتها العسكرية، بيد أن الغريب، في نظرهم، أن المجتمع الدولي يتحاشى الإفصاح عن هذا الموقف صراحةً؛ خشية أن يُفضي ذلك إلى تصعيد حوثي يستهدف الملاحة الدولية من جديد، ما قد يُلقي بظلاله الثقيلة على اقتصاد عالمي يعاني أصلاً من اهتزاز متواصل جراء التصرفات الإيرانية في مضيق هرمز.
رسالة إلى الخليج والعرب
ويوجّه المراقبون رسالةً مباشرة إلى دول الخليج العربي والعالم العربي عموماً، مفادها أن الوقت قد حان لإدراك الخطر الحقيقي الذي تمثله المليشيا الحوثية، لا على اليمن وحده، بل على منظومة الأمن الإقليمي برمتها.
ويعدّون أن الحرب الأخيرة ينبغي أن تكون درساً بالغاً لكل من يستهين بهذا التهديد؛ فمليشيا مسلحة بعقيدة توسعية وأجندة إيرانية، إن أُتيح لها البقاء والتمدد، فإنها ستشكّل خطراً وجودياً على الأنظمة العربية والإسلامية وعلى الأمن القومي لدول المنطقة من دون استثناء.
لا إذنَ من أحد لتحرير الوطن
وفي ما يخص الموقف الداخلي، يذهب المختصون إلى أن على الحكومة اليمنية ألا تُعلّق قراراتها السيادية على موافقة المجتمع الدولي أو انتظار الضوء الأخضر من هذه العاصمة أو تلك، ويرون أن تحرير محافظة الحديدة الساحلية (الثغر الاستراتيجي الذي تتحكم منه المليشيا في الممرات البحرية) قرارٌ يجب أن ينبثق من إرادة وطنية صافية لا تستأذن أحداً؛ فهذه الحرب ليست حرب اليمن وحده، بل هي حرب الإقليم والعالم في آنٍ معاً، وفي تحرير الحديدة تأمينٌ للملاحة الدولية التي يستفيد منها الجميع، وهو حجة كافية تُغني عن طلب أي تفويض.
ويخلص المراقبون إلى أن المشهد الراهن يضع أمام الحكومة اليمنية ومجلس القيادة الرئاسي فرصةً نادرة تتقاطع فيها ضرورات استعادة الأرض مع المصالح الاستراتيجية للمجتمع الدولي ذاته؛ وأن استثمار هذه اللحظة بجرأة وحسم هو السبيل الوحيد لقطع الطريق على المليشيا وراعيتها الإيرانية، وإعادة الأمن إلى البحر الأحمر الذي بات شرياناً مكشوفاً لابتزاز العالم.