تكشف التحركات العسكرية الأخيرة لمليشيا الحوثي الإرهابية عن نمط تصعيدي متعمد يستهدف جبهات استراتيجية متعددة في وقت متزامن، مما يعكس توجهاً واضحاً نحو فرض معادلة ميدانية جديدة قبل أي تسوية سياسية محتملة.
وتشير حركة القوة العسكرية بقيادة «أبو حسين» سليم المنصوري من معسكرات صنعاء باتجاه محافظة الحديدة، إلى جانب تعزيزات «أبو أيمن» النظاري نحو جبهة الكسارة في مأرب، إلى استراتيجية «الضغط المتعدد الجبهات» التي تتبناها المليشيا.
التوقيت المتزامن للتحركات ليس عرضياً، بل يعكس تخطيطاً مركزياً يهدف إلى تشتيت قدرات القوات الحكومية وإجبارها على توزيع مواردها العسكرية على محاور متباعدة جغرافياً.
اختيار قيادات ميدانية مخضرمة مثل النظاري، الذي خاض معارك سابقة في مأرب، يؤكد جدية النوايا الحوثية وعدم كونها مجرد مناورات دعائية. فالجماعة تستثمر في كوادرها الأكثر خبرة لقيادة هذه التعزيزات، مما يرجح احتمالية عمليات عسكرية واسعة النطاق وليس مجرد تمركزات دفاعية.
أهداف محتملة
تمثل الحديدة الشريان الاقتصادي الأهم لليمن عبر ميناءها الحيوي، وأي تحركات حوثية في هذا الاتجاه تحمل رسائل متعددة الأبعاد؛ فهي قد تستهدف تعزيز السيطرة على الموانئ والمنافذ الاقتصادية، أو ربما استباق أي محاولات لتحرير المحافظة، كما أن القرب من المياه الدولية يمنح المليشيا قدرة على التأثير في الملاحة البحرية، وهو ورقة ضغط استخدمتها الجماعة مراراً في مفاوضاتها الإقليمية والدولية.
جبهة الكسارة بمأرب
وتكتسب مأرب أهمية قصوى كونها معقل الحكومة الشرعية ومصدر الطاقة الرئيسي في اليمن.
جبهة الكسارة تحديداً تمثل بوابة استراتيجية تطل على مناطق حيوية، والسيطرة عليها أو حتى تعزيز الوجود فيها يمنح الحوثيين قدرة على تهديد محافظة مأرب، ومخزونها النفطي، لاسيما في ظل الحديث عن مساعي الحكومة اليمنية لإعادة انتاج وتصدير النفط.
هذه التحركات تأتي بعد فترة هدوء نسبي، مما يشير إلى أن المليشيا استغلت هذه الفترة في الاستعداد وإعادة الترتيب بدلاً من التوجه نحو السلام.
التوقيت
تتزامن هذه التعزيزات العسكرية مع جمود واضح في المسارات السياسية، وهو ما يكشف عن التوجه الحقيقي للمليشيا الحوثية التي تعتمد منطق «القوة قبل التفاوض»، فبدلاً من الاستجابة للجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى تحقيق هدنة شاملة، تختار الجماعة طريق التصعيد الميداني لتحسين موقفها التفاوضي.
هذا النمط يعكس سلوكاً إرهابياً متكرراً؛ حيث تستخدم المليشيا العنف والتهديد العسكري كأدوات ضغط سياسي، متجاهلة المعاناة الإنسانية للشعب اليمني الذي ينتظر السلام منذ سنوات، كل تحرك عسكري يعني مزيداً من الضحايا المدنيين، وتدمير البنية التحتية، وتعميق الأزمة الإنسانية الكارثية.
الضغط الداخلي
تواجه المليشيا الحوثية تحديات داخلية متزايدة في المناطق الخاضعة لسيطرتها؛ من انهيار اقتصادي وتذمر شعبي متصاعد.
التصعيد العسكري يمثل أداة لتحويل الأنظار عن الفشل الإداري والاقتصادي، وخلق حالة «طوارئ» تبرر القمع الأمني وفرض مزيد من الضرائب والإتاوات بحجة «المجهود الحربي».
الحسابات الإقليمية
التطورات الإقليمية، خاصة التحولات في العلاقات بين دول المنطقة، قد تدفع الحوثيين للاعتقاد بأن نافذة الفرصة للتوسع الميداني قد تضيق مستقبلاً. لذا، تسعى المليشيا لتحقيق مكاسب ميدانية سريعة قبل أي ترتيبات إقليمية قد تفرض الأمر الواقع.
لا يمكن فصل التحركات الحوثية عن السياق الإقليمي الأوسع، فالجماعة، كأداة إيرانية في المنطقة، تسعى لإثبات فعاليتها وقدرتها على خلق بؤر توتر متعددة، مما يعزز قيمتها في الاستراتيجية الإيرانية لنشر النفوذ والضغط على الخصوم الإقليميين.
السيناريوهات المحتملة
قد تكون هذه التحركات مقدمة لهجوم واسع النطاق على جبهتي الحديدة ومأرب، بهدف تحقيق اختراقات ميدانية سريعة تغير موازين القوى، ويعد هذا السيناريو هو الأخطر، وهو ما يعني دخول اليمن في جولة عنف جديدة مع ما يترتب عليه من كوارث إنسانية.
قد تكون التعزيزات العسكرية مجرد أداة ضغط لانتزاع تنازلات في أي مفاوضات قادمة، لاسيما وأن هناك حديث، عن مفاوضات جدية، للسماح لمليشيا الحوثي بإنشاء شركة طيران تابعة لها ضمن إطار تفاوضي أشمل، وهو موقع الحوثيين بعد الحرب الإيرانية الأمريكية المحتملة، وهو ما يعني أن الحوثيين يستخدمون التهديد العسكري لتحسين شروطهم قبل العودة إلى طاولة المفاوضات، وهو أسلوب اعتادت عليه المليشيا في جولات سابقة.
قد تكون التحركات رد فعل على معلومات استخباراتية عن استعدادات حكومية لعمليات عسكرية، بما يعني أن المليشيا تسعى لحشد قواتها استباقياً لإحباط أي هجوم محتمل أو على الأقل رفع تكلفته العسكرية على القوات الحكومية.
الخلاصة:
التحركات العسكرية الحوثية الأخيرة نحو الحديدة ومأرب ليست معزولة عن سياق استراتيجي أوسع، فهي تعكس توجهاً تصعيدياً متعمداً يستهدف تحقيق مكاسب ميدانية قبل أي تسوية سياسية، واستخدام القوة العسكرية كأداة ضغط سياسي، وإثبات الفعالية للراعي الإقليمي، وتحويل الأنظار عن الفشل الداخلي.
المليشيا الحوثية تثبت مرة أخرى أنها عقبة رئيسية أمام السلام في اليمن، وأن خطابها السياسي مجرد واجهة لمشروع عسكري توسعي لا يأبه بمعاناة الشعب اليمني.
المجتمع الدولي والإقليمي مطالب بالوقوف بحزم أمام هذه المغامرات العسكرية، ودعم الحكومة الشرعية في مواجهة هذا التهديد الإرهابي الذي يستهدف استقرار اليمن والمنطقة بأسرها.