يدور في الكواليس السياسية الغربية، وتحديدًا داخل أروقة البيت الأبيض ولندن والأمم المتحدة، نقاش متقدم بشأن سحب بعثة الرقابة الأممية من مدينة الحديدة، تحت مبررات تتعلق بالكلفة المالية العالية وفشل البعثة في تحقيق أهدافها المعلنة منذ اتفاق ستوكهولم.
هذا التطور، وإن بدا إجرائيًا في ظاهره، إلا أنه يحمل أبعادًا استراتيجية خطيرة، كونه يعيد فتح ملف الحديدة بوصفه ملفًا سياديًا وعسكريًا بعد سنوات من تجميده تحت غطاء أممي هش.
بخروج الأمم المتحدة، يفقد اتفاق ستوكهولم عمليًا آخر أدواته التنفيذية، ويجد الحوثي نفسه سلطة أمر واقع بلا رقابة دولية على الموانئ الثلاثة، وبلا ضغط سياسي مباشر، في ظل عجز الشرعية سابقًا عن فرض تنفيذ الاتفاق أو استثماره دوليًا.
قد يبدو الأمر للبعض تحصيل حاصل، باعتبار أن الحوثي يحكم الحديدة فعليًا، إلا أن الفارق الجوهري أن المدينة ستتحول ابتداءً من أبريل المقبل من منطقة محمية باتفاق دولي إلى ساحة مفتوحة للصراع، قابلة للاشتعال العسكري والسياسي في أي لحظة.
وبنظرة أعمق، فإن الانسحاب الأممي لا يعني فراغًا محايدًا، بل يُشرعن ضمنيًا لكل الأطراف توسيع نفوذها بما يخدم مصالحها، في ظل هدنة هشة أثبتت التجربة أنها تنهار متى ما التقت رغبة محلية مع ضوء أخضر دولي.
ضمن هذا السياق، يمكن قراءة الانسحاب الأممي من الحديدة عبر ثلاثة سيناريوهات رئيسية، تشكل مجتمعة تقدير الموقف الأكثر واقعية للمرحلة المقبلة.
السيناريو الأول يتمثل في منح الحوثي فرصة السيطرة الكاملة والمعلنة على الحديدة، هذا المسار يفترض أن المجتمع الدولي يختار غض الطرف مقابل ضمانات تتعلق بالملاحة الدولية وعدم التصعيد في البحر الأحمر، بما يحول الحديدة إلى مكافأة سياسية للحوثي مقابل التزام سلوكي مؤقت، غير أن هذا السيناريو يبقى محفوفًا بالمخاطر، في ظل سجل الجماعة في استخدام الموانئ لأغراض عسكرية وتهريب السلاح.
السيناريو الثاني يشير إلى أن الانسحاب الأممي قد يكون تمهيدًا غير مباشر لحرب، أو على الأقل لتغاضٍ دولي عن عملية عسكرية تستهدف طرد الحوثيين من الحديدة، هذا الاحتمال تعززه الرغبة الأمريكية الواضحة في قطع ذراع الحوثي البحرية، ومنعه من تهديد خطوط الملاحة في البحر الأحمر، إضافة إلى تراكم ملفات لم تُغلق بعد بين واشنطن والجماعة، تتجاوز اليمن إلى الإقليم وإيران.
السيناريو الثالث يقوم على توظيف الانسحاب كورقة ضغط لإعادة تدوير الحديدة داخل تسوية سياسية أوسع، في هذا المسار، تتحول المدينة من ساحة اشتباك محتمل إلى ورقة تفاوض، خصوصًا في ظل أي تفاهمات سعودية حوثية قادمة، حيث تركز الرياض اليوم على تأمين حدودها ومصالحها، وتفضّل حلولًا تقلل من كلفة المغامرات العسكرية المفتوحة.
ما يحد من اندفاع الحوثي في كل هذه السيناريوهات هو العامل الأمريكي، فواشنطن لا تبدو مستعدة للقبول بتمدد الحوثي بحريًا، ولا بتكريس سيطرته على الموانئ دون رقابة، خصوصًا مع تصاعد مؤشرات استخدام هذه الموانئ في تهريب السلاح، وهو ملف متى ما تم توثيقه عبر الأقمار الاصطناعية الأمريكية والبريطانية، فسيسقط كل الغطاء الإنساني والسياسي الذي تستند إليه الجماعة.
إلى جانب ذلك، هناك مسببات قريبة قد تفجر المشهد، في مقدمتها أي تحرك حوثي لنجدة إيران في حال تعرضها لهجوم إقليمي، وهي رسائل لمحتها الجماعة بوضوح خلال الأيام الماضية عبر إعلامها.
أما على المدى المتوسط، فإن الشرعية تمتلك بعد أبريل المقبل فرصة قانونية وسياسية لإعادة طرح ملف الحديدة على طاولة المجتمع الدولي، والمطالبة رسميًا بتحريرها تحت عنوان استعادة مؤسسات الدولة، شريطة أن تسبق ذلك إعادة ترتيب حقيقي لمؤسستي الدفاع والخارجية، وتوحيد القرار العسكري تحت مظلة واحدة.
ويبقى السؤال الأخطر: هل نحن أمام انسحاب أممي تقني، أم أمام ترتيب أكبر يجري خلف الكواليس يعيد رسم خرائط النفوذ في الساحل الغربي؟
في حال فُتح باب الحديدة عسكريًا، فإن التجربة وحدها تجيب عن سؤال من يملك القدرة والخبرة على دخولها؟
السنوات الماضية أثبتت أن بقاء قوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح لم يكن تفصيلاً عابرًا، ولا قرارًا مؤقتًا، بل جزءًا من معادلة أُعدّت بعناية.
هذه القوة اليوم تُعد الأكثر تدريبًا وانضباطًا، والأوسع قبولًا دوليًا، وتمتلك خبرة مباشرة في جبهة الحديدة، إضافة إلى ترتيبات سابقة مرتبطة بتأمين الشريط الساحلي وحماية الملاحة الدولية.
وعليه، إذا كُتب لملف الحديدة أن يُفتح مجددًا بعد أبريل، وإذا قُدّر لطرف أن يدخل المدينة ويقلب المعادلة، فلن يكون ذلك إلا عبر طارق صالح والمقاومة الوطنية، بوصفهما الخيار الأكثر جاهزية ميدانيًا، والأقل كلفة سياسيًا على المجتمع الدولي.