تعيين مجتبى خامنئي مرشدًا....السياقات والدلالات والمستقبل

تعيين مجتبى خامنئي مرشدًا....السياقات والدلالات والمستقبل

* د. عمر الرداد - منذ ساعة

لعلّ من نافلة القول إن الإعلان عن تعيين مجتبى مرشدًا جديدًا للثورة الإسلامية في إيران، وهو الابن الثاني لعلي خامنئي، لم يكن مفاجئًا للمتابعين للشأن الإيراني، وتطورات الصراع بين ما يُعرف بتياري المتشددين والإصلاحيين في القيادة الإيرانية، ذلك أن كل المعلومات والتقديرات لخلافة المرشد كانت تطرح خامنئي الابن "مجتبى" من بين أبرز المرشحين في قائمة المحتملين لملء الموقع عند شغوره بغياب المرشد الثاني "علي خامنئي"، فمن هو مجتبى وكيف تم اختياره، وهل للظروف التي تعيشها إيران تحت وطأة الضربات الواسعة التي تشنها أمريكا وإسرائيل علاقة بذلك؟

أولًا: يعتبر مجتبى من جيل الشباب نسبيًا وأول مرشد يتولى هذا الموقع بسن "56" عامًا، ووفقًا لمعلومات مكشوفة، فقد تلقى تعليمًا دينيًا في الحوزة، لكنه لم يصل مرتبة تؤهله لتولي هذا الموقع، وقد انتسب مبكرًا للحرس الثوري الإيراني وتلقى تدريبًا عسكريًا في معسكرات الحرس، وعُرف بنفوذه السياسي داخل مؤسسات الحرس الثوري، وهو قليل الحضور في إيران، حيث يعمل خلف الكواليس، ونتيجة علاقاته الواسعة والغامضة مع مؤسسات الدولة العميقة التابعة للحرس الثوري، تم اتهامه بالمسؤولية عن مقتل الرئيس الإيراني "إبراهيم رئيسي" بوصفه منافسًا له ومؤهلًا أكثر منه لتولي موقع المرشد الأعلى.

ثانيًا: رغم أن الإعلان الإيراني تضمن انتخاب مجتبى لهذا الموقع من قبل مجلس خبراء القيادة، الذي يتكون من "88" عضوًا، من رجالات الدين، ووفقًا لمعلومات محللين إيرانيين، فإن هذا المجلس انعقد بحضور حوالي "58" فقط، بسبب ظروف القصف التي تعيشها إيران، وحصل على أكثر من نصف أصوات الحاضرين، فيما حصل منافسه على "8" أصوات فقط، دون أن يتم الإعلان عن اسم هذا المنافس، وهناك شكوك عميقة بشرعية هذا الاجتماع والحضور ومدى صدقية انعقاده أصلًا، ويُرجح أن الحرس الثوري ولحسابات خاصة باستمرار سيطرته على البلاد فرض مجتبى بهذا الموقع، لهواجس مرتبطة بعدم الثقة بأي شخصية أخرى، في ظل اختراقات استخبارية واسعة للصفوف القيادية بالدولة الإيرانية، ولولائه المطلق عمليًا للحرس الثوري، وتنفيذه قراراته، والتزامه المطلق بسياساته.

ثالثًا: رغم أن تعيين مجتبى يخالف مبادئ الثورة الإيرانية التي قامت ضد التوريث، إلا أن هذا العنوان سيبقى أحد العناوين الرئيسة التي ستلاحق مجتبى وتجعل منه أداة طيعة بيد الحرس الثوري، ويدرك الحرس الثوري أن المعارضة الإيرانية بقيادة من جانب الإصلاحيين أو حتى من أوساط التيار المتشدد، لا تستطيع إبداء مواقف معارضة لهذا التعيين في ظل الظروف الحالية، لا سيما مع تهديدات صدرت عن قيادات من الحرس الثوري، بأنه بعد الحرب على إيران فسيتم إطلاق النار على المتظاهرين، دون الأخذ بعين الاعتبار أية حسابات للاحتجاجات والإدانات المحلية والدولية، وتطرح تساؤلات هنا حول مستقبل التيار الإصلاحي وفيما إذا سيبقى متماسكًا وقادرًا على التأثير في القرار الإيراني.

رابعًا: مؤكد أن الحرس الثوري الذي يقود البلاد عمليًا، استثمر الأوضاع القائمة في البلاد، وحالة الطوارئ، والانشغال بمواجهة "الشيطان الأكبر"، ومرر بسهولة اختيار مجتبى، لضمان سيطرة الحرس على البلاد، وهو ما يعني عسكرة النظام الإيراني، ويبدو أن المقولات التي تتضمن أن شبكة جديدة معقدة هي التي تقود البلاد مكونة من: قائد الحرس الثوري الجديد "العميد أحمد وحيدي"، الذي تم تعيينه قبل أيام خلفًا، مجموعة من المستشارين في مكتب المرشد الأعلى، وهم موالون للحرس الثوري، بخبرات أمنية وعسكرية، ويُعرفون بالمطبخ السياسي والأمني، رئيس البرلمان الإيراني "قاليباف" وهو قائد سابق بالحرس الثوري ومن أبرز رموز التشدد في إيران، ورئيس السلطة القضائية "غلام حسين" وهو من أبرز المتشددين، وكان وزيرًا للاستخبارات، ومن المؤيدين بقوة لمواصلة ضرب دول الجوار في إطار المواجهات الحالية مع أمريكا وإسرائيل.

خامسًا: تتعدد السيناريوهات حول مستقبل إيران في ظل قيادة المرشد الجديد، والتي تتراوح بين: مواصلة القبضة الحديدية وعسكرة النظام والانغلاق الأمني والتصعيد النووي، وسيناريو تحولات باتجاه مرونة تكتيكية تنتج تخفيفًا من حدة الضغوط الاقتصادية التي تعيشها إيران، بالإضافة إلى سيناريو انشقاقات تضعف النظام تستند لضعف الشرعية الدينية لمجتبى، وربما تشمل هذه الانشقاقات أوساطًا داخل الحوزات الدينية وأخرى من تيارات رافضة للقبضة الأمنية الواسعة للحرس الثوري على الدولة، بما في ذلك القوات المسلحة الإيرانية "الجيش" التي تشعر بالتهميش والإقصاء لصالح الحرس الثوري.

وفي تقديري أن السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى المنظور، على الأقل، هو سيناريو مواصلة القبضة الحديدية وعسكرة النظام، وربما كان في تجديد إطلاق الصواريخ والمسيرات على دول الخليج العربي بعد الإعلان عن تعيين مجتبى مرشدًا، ما يشير إلى مواصلة الحرس الثوري إحكام قبضته على صناعة القرار في إيران، وأن المجيء بمجتبى لم يكن إلا استثمارًا للظروف التي تعيشها إيران، واستغلال فضل قيادة الحرس الثوري عليه بتعيينه، بحيث تبقى قراراته أسيرة لما سيطلبه الحرس الثوري، في ظل شكوك حول شرعية تعيينه، وأن التوقعات التي تشير لاحتمالات مرونة ستظهر في سياساته وقراراته لا تبدو واقعية، لا سيما وأن الحرس الثوري الذي قرر الانتحار، لن يتوانى في لحظة يشعر معها أن مجتبى سيبدي مرونة، فسيتم القضاء عليه وإبعاده.

* باحث وكاتب أردني- نقلا عن حفريات