من التعليم إلى الأدلجة.. كيف تستخدم المليشيا المعلمات لاختراق المجتمع اليمني؟

من التعليم إلى الأدلجة.. كيف تستخدم المليشيا المعلمات لاختراق المجتمع اليمني؟

الحديدة لايف: خاص - منذ ساعتين

في تصعيد جديد لسياسات التطييف والتجريف الثقافي، أثار استبيان وزّعته مليشيا الحوثي على معلمات المدارس الحكومية والخاصة في مناطق سيطرتها موجة قلق وغضب واسعة، باعتباره خطوة منظمة لاختراق المجتمع التعليمي وتطويعه أيديولوجيًا، تحت غطاء أنشطة ثقافية لا تمت للتربية والتعليم بصلة.

مراقبون ومختصون في الشأن التربوي والثقافي أكدوا أن الاستبيان يحمل بصمات مشروع عقائدي يسعى لإعادة تشكيل وعي المعلمات، ومن خلالهن الأجيال القادمة، عبر أسئلة مسيّسة تُفرض بقوة الأمر الواقع، وتستهدف الهوية الدينية العربية لليمنيين، لا تطوير العملية التعليمية أو تحسين بيئة المدارس.

وبحسب هؤلاء، فإن خطورة الاستبيان لا تكمن فقط في مضمونه، بل في سياقه القسري، إذ أُلزمت المعلمات بتعبئته مع إدراج بيانات شخصية دقيقة، تشمل الاسم ومكان السكن واسم المدرسة ووسائل التواصل، ما يُعد انتهاكًا صارخًا للخصوصية، ويفتح الباب للابتزاز والضغط الأمني والفكري، خاصة في بيئة تخضع لسلطة السلاح.

ويشير مختصون إلى أن حصر الإجابات بخياري نعم أو لا يعكس ذهنية إقصائية لا تعترف بالتنوع ولا تتيح حرية الرأي، ويؤكد أن الهدف ليس الاستطلاع، بل الفرز والاصطفاف، تمهيدًا لتصنيف المعلمات وفق معيار الولاء العقائدي للجماعة.

أكثر الأسئلة إثارة للقلق، بحسب المراقبين، تلك التي تتعلق بفتح المنازل لإقامة الموالد والمجالس، والتي يرون أنها محاولة لجرّ الفضاء الخاص للنساء إلى دائرة التعبئة الطائفية، وتحويل البيوت إلى منصات نشاط مذهبي خاضع لإشراف الجماعة، في خرق واضح للأعراف الاجتماعية اليمنية.

فتح المنازل 
ويرى مراقبون أن السؤال المتعلق بفتح المنازل لإقامة الموالد والمجالس لا يمكن فصله عن البعد العقائدي الذي تتبناه مليشيا الحوثي، إذ يحمل دلالات خطيرة تتجاوز النشاط الديني الظاهري إلى محاولة جرّ النساء إلى فضاءات مختلطة وممارسات مرفوضة اجتماعيًا وأخلاقيًا في المجتمع اليمني المحافظ. ويؤكد هؤلاء أن هذا النوع من الأسئلة يفتح الباب أمام تأويلات مرتبطة بمعتقدات شيعية مثيرة للجدل، من بينها ما يُعرف بزواج المتعة أو “التمتع”، الذي تراه بعض التيارات الشيعية جائزًا في سياقات معينة، وهو ما يثير مخاوف حقيقية من تطبيع سلوكيات يعتبرها المجتمع اليمني زنا صريحًا وانحرافًا أخلاقيًا.

ويحذّر مختصون من أن ربط هذه الأنشطة بما تسميه الجماعة “المجاهدين” وفي مناسبات مثل الموالد ويوم الغدير، يعكس مسعى خطير لإضفاء غطاء ديني على ممارسات دخيلة، واستغلال النساء تحت شعارات دينية مؤدلجة، بما يشكل تهديدًا مباشرًا للقيم الأخلاقية، ويضرب البنية الاجتماعية اليمنية في عمقها.

ويؤكد المراقبون أن طرح مثل هذا السؤال داخل استبيان موجه لمعلمات، لا يمكن تفسيره إلا كجزء من عملية جسّ نبض وتمهيد تدريجي لتغيير منظومة القيم، وتحويل المرأة من شريك في التعليم إلى أداة في مشروع تعبوي عقائدي، يستخدم الدين لتبرير الانتهاك، والهوية المذهبية لشرعنة الانحراف.

ويرى مراقبون أن صياغة بعض الأسئلة توحي بإعادة تطبيع مفاهيم دينية دخيلة على المجتمع اليمني، وتغذية تأويلات فقهية مثيرة للجدل، بما يعمّق المخاوف من مساعٍ حثيثة لتغيير منظومة القيم الأخلاقية والاجتماعية، وفرض نموذج مذهبي غريب على بيئة عُرفت تاريخيًا بالاعتدال والتسامح.

ويحذّر مختصون من أن استهداف المعلمات تحديدًا ليس أمرًا عابرًا، بل جزء من استراتيجية طويلة الأمد للسيطرة على التعليم بوصفه أخطر أدوات إعادة إنتاج الفكر، مؤكدين أن ما يجري يمثل انتقالًا من عسكرة الدولة إلى تطييف المجتمع، ومن السيطرة على الأرض إلى السيطرة على العقول.

ويختم المراقبون بالقول إن هذا الاستبيان يكشف بوضوح أن مليشيا الحوثي لا تنظر إلى التعليم كمؤسسة وطنية، بل كساحة حرب ناعمة، تُدار بالأدلجة والإكراه، وتستهدف هوية اليمنيين الدينية والعربية، في مسار يهدد السلم الاجتماعي ويعمّق الانقسام، ويضع مستقبل الأجيال أمام مخاطر غير مسبوقة.