كشفت مصادر مطلعة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء عن استعدادات حوثية مكثفة لمواجهة حالة طوارئ غير مسبوقة، تشمل تخصيص منشآت في صنعاء وبقية المحافظات لتكون ملاجئ، إلى جانب استعدادات طبية واسعة النطاق تعكس حجم التوقعات الحوثية لمرحلة قادمة بالغة الخطورة.
وفي هذا السياق، عقدت لجنة الطوارئ التابعة للجماعة اجتماعاً، السبت، برئاسة القائم بأعمال رئيس وزراء الجماعة محمد مفتاح، ناقشت خلاله ملفات رفع مستوى الجاهزية على المستويين المركزي والمحلي، وتعزيز قدرات مصلحة الدفاع المدني بشرياً ومادياً، مع التركيز على آليات الإنقاذ والحد من الخسائر البشرية والمادية في حال وقوع أي أوضاع طارئة.
وأقرّت اللجنة جملةً من الإجراءات التي وصفتها بـ«المعززة» لقطاع الطوارئ، في حين أكد مفتاح -وفق البيان الحوثي- أن «الوضع الاستثنائي الذي يمر به اليمن يستدعي استمرار الاستعداد على كافة المستويات».
غير أن توقيت هذا الاجتماع وطبيعة قراراته يطرحان تساؤلات جدية لدى المراقبين والمحللين السياسيين والعسكريين؛ إذ يرى خبراء إن انعقاد لجنة الطوارئ بهذا المستوى يتزامن مع تحركات عسكرية حوثية واسعة على جبهات متعددة، تشمل التحشيد نحو محافظة مأرب شرقاً، والحديدة غرباً، فضلاً عن تحريك قوات باتجاه المناطق الحدودية مع المملكة العربية السعودية، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه التحركات وليدة معلومات استخباراتية تلقّتها الجماعة عن عمليات عسكرية وشيكة.
لماذا هذا الاستعداد؟
في محاولة لفك شفرة الاستعدادات الحوثية غير المسبوقة، قدم محللون سياسيون وعسكريون متخصصون، فضلوا عدم الكشف عن هوياتهم لحساسية الموضوع، قراءة تحليلية معمقة للتطورات الأخيرة، مجيبين على التساؤلات المطروحة حول دوافع وتوقيت هذه التحركات.
وقال محللون عسكريون، إن عقد اجتماع طوارئ بهذا المستوى وبحضور القائم بأعمال رئيس الوزراء يشير بوضوح إلى أن الجماعة تلقت معلومات استخباراتية موثوقة عن تطورات عسكرية أو أمنية وشيكة».
ويضيف أن «طبيعة القرارات المتخذة، وخاصة تفعيل قطاع الدفاع المدني وتخصيص ملاجئ، تكشف عن توقعات بعمليات قصف جوي أو ضربات عسكرية محتملة، وليس مجرد عمليات برية تقليدية».
ويرجح المحلل أن المعلومات قد تكون وصلت عبر القنوات الإيرانية أو من خلال شبكة الرصد الإلكتروني التي طورها الحوثيون خلال السنوات الأخيرة، مشيرًا إلى أن «التنسيق مع طهران في مثل هذه الحالات يصبح ضروريًا، خاصة إذا كانت التهديدات الأمريكية لإيران هي المحرك الرئيسي لهذه الاستعدادات».
أما بخصوص احتمالية وجود عملية عسكرية استباقية لمجلس القيادة الرئاسي أو للحوثيين، فيميل محلل سياسي بارز إلى استبعاد السيناريو الأول، مؤكدًا أن «مجلس القيادة الرئاسي لا يمتلك حاليًا القدرة اللوجستية أو التنسيق العسكري اللازم لشن عملية استباقية واسعة النطاق تستدعي مثل هذا المستوى من الاستعداد الحوثي».
ويضيف أن «التحالف العربي نفسه، وخاصة السعودية، يميل حاليًا نحو الحلول السياسية وليس التصعيد العسكري، مما يجعل هذا الخيار مستبعدًا».
في المقابل، يرى المحلل نفسه أن «السيناريو الأكثر ترجيحًا هو أن الحوثيين يستعدون لعملية عسكرية استباقية خاصة بهم، ربما في مأرب أو على جبهات أخرى، أو أنهم يتأهبون للرد على ضربات أمريكية محتملة تستهدف البنية التحتية العسكرية في المناطق الخاضعة لسيطرتهم».
حول الصلة بين التحركات العسكرية الحوثية في مأرب والحديدة والحدود السعودية واجتماع لجنة الطوارئ، يؤكد خبير عسكري أن «هناك ترابطًا واضحًا بين الاجتماع والحشد الميداني».
ويقول: «عادة ما يسبق أي عملية عسكرية كبرى اجتماعات على مستوى القيادة السياسية والعسكرية لإقرار خطط الطوارئ، والحشد الذي نشهده في مأرب يشير إلى نية بشن هجوم واسع لحسم المعركة هناك، بينما التعزيزات في الحديدة قد تكون دفاعية تحسبًا لضربات من البحر أو الجو».
ويلفت الخبير إلى أن «التحركات باتجاه الحدود السعودية تحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن الحوثيين قادرون على فتح جبهات متعددة في وقت واحد، وأن أي تصعيد سيكون شاملًا وليس محدودًا».
أما عن علاقة نقل منصات الصواريخ البالستية بالتهديدات الأمريكية لإيران ونية الحوثيين بالتدخل، فيقدم محلل متخصص في الشؤون الإقليمية رؤية مركبة، قائلًا: «الحوثيون جزء من محور المقاومة الذي تقوده إيران، وأي تصعيد أمريكي ضد طهران سيتبعه حتمًا رد فعل حوثي، سواء بضرب أهداف أمريكية في المنطقة أو باستهداف السفن في البحر الأحمر والخليج العربي».
ويضيف: «نقل منصات الصواريخ إلى مناطق جبلية وعرة يهدف إلى حمايتها من الضربات الجوية وضمان القدرة على الرد حتى بعد تعرض المواقع الرئيسية للقصف».
ويشير المحلل إلى أن «الحوثيين أثبتوا في الماضي استعدادهم للتدخل في صراعات إقليمية أوسع، كما حدث مع استهدافهم لمنشآت نفطية سعودية ردًا على الحملة العسكرية ضدهم، وهذا النمط قد يتكرر إذا تصاعدت الأزمة بين واشنطن وطهران».
وفيما يتعلق بما إذا كانت خارطة الحشد الحوثي تحدد طبيعة الرد وكيفيته، يقدم خبير استراتيجي قراءة دقيقة للتوزيع الجغرافي للقوات الحوثية، موضحًا أن «الحشد في مأرب يعني أن هناك خيارًا هجوميًا على هذه الجبهة، بينما التعزيزات في الحديدة تعكس استعدادًا لحماية الساحل الغربي الذي يمثل شريان الحياة الاقتصادي للجماعة».
ويتابع: «أما التحركات باتجاه الحدود السعودية، فهي رسالة مزدوجة: تهديد بإعادة استهداف العمق السعودي في حال التصعيد، واستعداد للدفاع ضد أي عملية برية محتملة».
ويخلص الخبير إلى أن «خارطة الحشد تكشف عن استراتيجية ذات ثلاثة محاور: الهجوم في مأرب، الدفاع في الحديدة، والردع على الحدود السعودية».
ويحذر من أن «هذا التوزيع يشير إلى أن الحوثيين يستعدون لسيناريوهات متعددة في آن واحد، مما يعقد أي حسابات عسكرية للطرف الآخر ويرفع من تكلفة أي مواجهة محتملة».
ويجمع المحللون على أن «التوقيت والحجم غير المسبوق للاستعدادات الحوثية يشيران إلى أن المنطقة على أعتاب تطورات عسكرية كبرى، سواء كانت عملية حوثية استباقية أو ردًا على تصعيد إقليمي أوسع».
ويؤكدون أن «الأيام والأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مسار الأحداث، وأن المؤشرات الحالية تستدعي متابعة دقيقة لأي تحركات إضافية على الأرض».