دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، خلال مشاركته في مؤتمر ميونخ للأمن، الاتحاد الأوروبي إلى الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة اليمنية إلى المشاركة الفعلية في إنهائها، وتعزيز الشراكة الأمنية والاقتصادية مع اليمن في مواجهة التهديد الحوثي المتصاعد، وذلك في توقيت حرج يطرح تساؤلات جوهرية حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحرك المكوكي المكثف، وما إذا كان يعكس رؤية استباقية لفرصة تاريخية للحسم العسكري، أم محاولة أخيرة لإنقاذ ملف على وشك التجميد الدائم.
توقيت الدعوة.. لماذا الآن
يأتي تحرك العليمي الدبلوماسي المكثف في مؤتمر ميونخ للأمن ضمن سياق إقليمي ودولي متحول يشهد تقاطع ثلاثة مسارات حاسمة تجعل من هذا التوقيت حرجاً بالنسبة لليمن.
المسار الأول يتعلق بالمفاوضات الأمريكية الإيرانية الجارية، حيث يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتوصل إلى اتفاق مع إيران خلال الشهر القادم، ملوحاً بضربات عسكرية واسعة في حال فشل المحادثات، وهو ما يضع مليشيا الحوثي في مفترق طرق بين السيناريوهين، إما الانخراط في دفاع انتحاري عن طهران مما يعرضها لضربة قاصمة، أو محاولة التحلل من التبعية الإيرانية والتموضع كطرف محلي قابل للتعايش مع النظام الإقليمي الجديد، وهو السيناريو الذي حذر منه المحللون ووصفوه بـ«الخديعة الاستراتيجية» التي تهدف لكسب الوقت وإعادة البناء.
المسار الثاني يرتبط بانتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة في أبريل 2026، حيث صوت مجلس الأمن الدولي على إنهاء مهمة البعثة التي ظلت عاجزة عن تحقيق أي تقدم في تطبيق اتفاق ستوكهولم منذ عام 2018، وهو ما يمنح الحكومة اليمنية فرصة ذهبية لاستعادة السواحل اليمنية دون قيود دولية، إلا أن هذه النافذة ضيقة زمنياً، إذ تشير التوقعات إلى أن المجتمع الدولي قد يلجأ بعد انتهاء المفاوضات الإيرانية الأمريكية إلى تجميد الملف اليمني ضمن تسويات إقليمية أوسع تعيد ترتيب المنطقة على حساب الشرعية اليمنية.
المسار الثالث يتصل بالتحولات الداخلية في اليمن، حيث نجحت الحكومة بدعم سعودي في توحيد القيادة العسكرية والأمنية، وتشكيل حكومة جديدة برئاسة شائع الزنداني، وإنهاء الترتيبات الموازية التي كانت تعيق بناء الدولة، وهي خطوات رآها العليمي كافية لدحض مزاعم «الفراغ الأمني» التي ظل المجتمع الدولي يستخدمها كمبرر للتعامل مع الحوثيين باعتبارهم أمراً واقعاً.
ما وراء التحرك المكوكي للعليمي
يكشف التحرك الدبلوماسي المكثف لرئيس مجلس القيادة الرئاسي عن قراءة استراتيجية لثلاثة تطورات جوهرية.
التطور الأول هو إدراك العليمي أن المجتمع الدولي، وتحديداً الاتحاد الأوروبي، بدأ يستوعب الخطأ الاستراتيجي في التعامل مع الملف اليمني، فبعد سنوات من المرونة المفرطة التي منحت الميليشيا الحوثية الضوء الأخضر لنقل سلوكها العدواني من الداخل اليمني إلى ممرات الملاحة الدولية، استيقظ العالم على حقيقة أن احتواء التهديد عبر العمليات البحرية مثل «أسبيدس» و«حارس الازدهار» لا يحل المشكلة بل يعسكر المنطقة دون معالجة الجذور، كما أكد المحلل السياسي نشوان العثماني بقوله إن «المشكلة في البحر الأحمر ليست في البحر بل تبدأ في البر، في اليابسة، في اليمن، في صنعاء أساساً».
التطور الثاني هو قناعة القيادة اليمنية بأن هناك مقاربات دولية تسعى لتجميد الملف اليمني ضمن تسويات إقليمية أوسع، خاصة مع اقتراب التوصل لاتفاق أمريكي إيراني قد يفضي إلى إعادة تموضع إقليمية تهمش الملف اليمني وتحوله من قضية دولية إلى شأن داخلي مجمد، وهو السيناريو الذي حذر منه المحلل محمود الطاهر بقوله إنه «بعد الانتهاء من الحرب الإيرانية المتوقعة ستكون المقاربات في المنطقة العربية ومنطقة الخليج مختلفة، وسيكون الكل لديه حسابات كبيرة ما سينتج عنه تجميد الملف اليمني بشكل كامل».
التطور الثالث هو رغبة العليمي في ربط أمن الملاحة الدولية باستقرار الدولة اليمنية، في محاولة لإعادة صياغة المعادلة الدولية من «احتواء التهديد الحوثي» إلى «إنهاء التهديد عبر استعادة مؤسسات الدولة»، وهو ما يفسر تأكيده على أن «الأداة الوحيدة للاستقرار في هذه المنطقة هي الدولة اليمنية»، وأن العلاقة مع دول الاتحاد الأوروبي «باتت تتقاطع مع أمن الملاحة الدولية واستقرار إمدادات الطاقة والتجارة العالمية».
هل اليمن على أبواب الحسم العسكري؟
رغم الخطاب المتفائل من القيادة اليمنية حول توحيد الجيش وتحسين الجاهزية القتالية، إلا أن المؤشرات الواقعية تشير إلى أن الحسم العسكري لم يعد خياراً وحيداً أو حتمياً في المدى المنظور، وذلك لعدة أسباب.
السبب الأول يتعلق بالموقف السعودي الذي لا يزال يميل نحو التسوية السياسية بدلاً من المواجهة العسكرية الشاملة، حيث تركز الرياض جهودها على توحيد الجبهة الداخلية اليمنية وإعادة بناء مؤسسات الدولة كمقدمة لأي تحرك مستقبلي، دون التورط في حرب استنزاف جديدة مع الحوثيين، خاصة في ظل انشغالها بمشاريع التنمية الداخلية ورؤية 2030، وقد أظهرت التطورات الأخيرة في شرق وجنوب اليمن أن السعودية تفضل استعادة نفوذها عبر الدبلوماسية والضغط السياسي والاقتصادي بدلاً من الحل العسكري الحاسم.
السبب الثاني يرتبط بالقدرات العسكرية اليمنية التي لا تزال في طور إعادة البناء والتوحيد، حيث أن توحيد القيادة العسكرية على الورق لا يعني بالضرورة جاهزية قتالية فورية لخوض معركة حاسمة ضد ميليشيا تمتلك ترسانة صاروخية ضخمة وخبرة قتالية متراكمة على مدى عقد من الزمن، كما أن استعادة صنعاء والمناطق الشمالية تتطلب تحضيراً عسكرياً ولوجستياً هائلاً قد يستغرق شهوراً، وإن كان هناك قوات المقاومة الوطنية وألوية العمالقة قادراتان على الحسم، إلا أن حسابات حزبية، قد تعمل على إفشالهما.
السبب الثالث يكمن في موقف المجتمع الدولي الذي لا يزال حذراً من انزلاق اليمن نحو حرب شاملة جديدة قد تفاقم الأزمة الإنسانية وتهدد الملاحة الدولية بشكل أكبر، حيث أن الأولوية الدولية تبقى استقرار البحر الأحمر ولو على حساب الحل الجذري للمشكلة اليمنية، وهو ما يفسر استمرار الدعم للمسار السياسي عبر مكتب المبعوث الأممي رغم عقم الجهود السابقة.
الأولويات الثلاث
حدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي ثلاث أولويات رئيسية للحكومة الجديدة وهي، تحسين الخدمات الأساسية، الإصلاح الاقتصادي والانضباط المالي، وترسيخ الأمن وسيادة القانون، وهي أولويات لافتة بغياب أي إشارة صريحة للملف العسكري أو استعادة المناطق المحتلة من الحوثيين، وهو ما دفع مراقبين للتساؤل عما إذا كانت هذه الأولويات بديلاً عن الحسم العسكري أم مقدمة ضرورية له.
يرى المحلل محمود الطاهر أن هذا الترتيب يمثل خطأ استراتيجياً، حيث دعا إلى «جعل استعادة مؤسسات الدولة أولوية أولى، وجعل الأولويات الأخرى التي تتحدث عنها الحكومة مثل التطبيع والاستقرار ودفع المرتبات في المحافظات المحررة مجرد ملحق»، محذراً من أن «عدم التحرك العسكري من قبل الحكومة اليمنية سيترك مساحة للحوثي ليقوي نفسه أكثر ويعرض نفسه أمام المجتمع الدولي بأنه هو ذاته الدولة اليمنية».
في المقابل، يمكن قراءة هذه الأولويات كجزء من استراتيجية تدريجية تهدف لبناء أرضية صلبة للمواجهة المقبلة، حيث أن تحسين الخدمات واستعادة ثقة المواطن وتحقيق الانضباط المالي والأمني كلها عناصر ضرورية لأي عمل عسكري ناجح، خاصة وأن الحوثيين استغلوا طوال السنوات الماضية فشل الحكومة في تقديم الخدمات كورقة دعائية لتعزيز سيطرتهم، كما أن الدعم الدولي المرتقب يشترط تحقيق إصلاحات مالية وإدارية جدية كما أكد المبعوث الأممي هانس غروندبرغ بقوله إن «الخطوات المتخذة حالياً لتحسين ظروف المعيشة ودعم الاستقرار في مناطق الحكومة تكتسب أهمية بالغة».
غير أن هذه القراءة تصطدم بعامل الوقت، فالنافذة المتاحة أمام اليمن ضيقة، وكما حذر المحللون فإن «المنطقة مقبلة على تغييرات كما يبدو، وأن ما سوف تسفر عنه المفاوضات الأمريكية الإيرانية التي تجري حالياً سيكون حاسماً في تحديد مستقبل اليمن والإقليم»، وأن انتظار اكتمال الإصلاحات الداخلية قبل التحرك العسكري قد يعني فوات الفرصة الاستراتيجية.
نافذة أبريل الأخيرة.. فرصة أم وهم؟
يراهن محللون يمنيون على أن انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة في الحديدة مطلع أبريل 2026 يمثل «نافذة أبريل الأخيرة» للتحرك العسكري قبل تجميد الملف، حيث سيتحرر الجيش اليمني من قيود المراقبين الأمميين الذين ظلوا عاجزين عن تطبيق اتفاق ستوكهولم وتحولوا عملياً إلى غطاء شرعي لاستمرار السيطرة الحوثية على الموانئ الاستراتيجية.
غير أن هذه الرؤية التفاؤلية تتجاهل حقيقة أن انسحاب البعثة الأممية لا يعني تلقائياً ضوءاً أخضر للعمليات العسكرية، بل قد يفتح الباب لسيناريوهات أخرى منها: محاولة الحوثيين استغلال الفراغ الأممي لتعزيز قبضتهم على الحديدة، أو سعي أطراف دولية لفرض ترتيبات بديلة تجمد الوضع الراهن تحت مسميات مختلفة، أو حتى تجديد ولاية البعثة بصيغة معدلة في اللحظات الأخيرة.
علاوة على ذلك، فإن استعادة الحديدة عسكرياً ليست بالمهمة السهلة، فالمدينة محصنة بشكل كبير وتشكل عمقاً استراتيجياً للحوثيين، كما أن أي عملية عسكرية ستواجه معارضة دولية بحجة حماية المدنيين والحفاظ على المنشآت الحيوية، وهو ما حدث في عام 2018 عندما أوقف الضغط الدولي التقدم الحكومي على أبواب المدينة.
السيناريوهات المحتملة
في ضوء هذه المعطيات، تبرز ثلاثة سيناريوهات محتملة للملف اليمني خلال الأشهر المقبلة.
السيناريو الأول، الحسم العسكري المحدود، حيث تستغل الحكومة اليمنية نافذة أبريل لشن عمليات عسكرية محدودة تستهدف استعادة الحديدة والساحل الغربي دون التوجه لصنعاء، معتمدة على دعم إقليمي ودولي مشروط، وهو السيناريو الذي يراهن عليه المحللون ولكنه يتطلب إرادة سياسية قوية وتنسيقاً وثيقاً مع السعودية والتحالف الدولي.
السيناريو الثاني، التسوية السياسية المجمدة، حيث تفضي المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى تفاهمات إقليمية تتضمن تجميد الملف اليمني عبر اتفاق هدنة طويل الأمد يكرس الأمر الواقع، مع تقديم حوافز اقتصادية للحكومة الشرعية مقابل قبولها بالوضع القائم، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً في ظل أولويات القوى الدولية الحالية.
السيناريو الثالث، الانفجار غير المحسوب، حيث تدفع تطورات إقليمية غير متوقعة، مثل ضربة أمريكية واسعة لإيران أو انهيار النظام الإيراني، إلى تغيير جذري في معادلة القوى يفتح المجال أمام تحرك يمني سريع لاستعادة الأراضي، أو على العكس قد يدفع الحوثيين لتصعيد عدواني أخير يجر المنطقة لصراع شامل.
تكشف دعوة العليمي من ميونخ عن إدراك متأخر لدى القيادة اليمنية بأن نافذة الفرصة تضيق، وأن المجتمع الدولي قد يميل نحو تجميد الملف اليمني ضمن تسويات إقليمية أوسع، بينما تركيز الحكومة على الأولويات الثلاث دون الملف العسكري يثير تساؤلات جدية عن وجود استراتيجية واضحة لاستعادة الدولة أم أن الأمر لا يعدو محاولة لتحسين شروط التعايش مع الأمر الواقع.
النجاح في استثمار هذه النافذة الضيقة يتطلب معادلة صعبة تجمع بين التحرك الدبلوماسي المكثف لكسب الدعم الدولي، والاستعداد العسكري الجدي لاستغلال انتهاء ولاية البعثة الأممية في أبريل، والإصرار على ألا تكون الأولويات الخدمية بديلاً عن استعادة السيادة بل مقدمة لها، وهو توازن صعب يحتاج لإرادة سياسية قوية وحسم استراتيجي قد لا يكون متوفراً في ظل التعقيدات الإقليمية والدولية الراهنة.