كشف مصادر يمنية، عن تحرك قوة عسكرية كبيرة تابعة لمليشيا الحوثي الإرهابية الموالية لإيران، على متن مركبات عسكرية متنوعة، معززة بمختلف أنواع الأسلحة الثقيلة، عند حدود الساعة الثامنة مساء، من محافظة ذمار باتجاه محافظة البيضاء.
وقال الصحفي اليمني فارس الحميري، القوة العسكرية التي يقودها أبو زيد إبراهيم محمد الديلمي، في طريقها لتعزيز قوات الجماعة على خطوط التماس في مديرية الزاهر بمحافظة البيضاء، على الحدود الإدارية مع محافظتي لحج وأبين جنوبي اليمن.
ويرى مراقبون ومختصون في الشأن اليمني أن هذه التحركات العسكرية الحوثية تأتي ضمن نمط تصعيدي خطير بدأت ملامحه تتضح خلال الأسابيع الماضية على عدة جبهات، مشيرين إلى أن توقيت التعزيزات ووجهتها يكشفان عن أهداف استراتيجية متعددة الأبعاد تسعى المليشيا لتحقيقها في هذه المرحلة الحساسة.
وتكتسب مديرية الزاهر أهمية استراتيجية بالغة كونها تقع على طريق البيضاء يافع، وتشكل حلقة وصل بين محافظتي لحج والبيضاء، كما أنها تطل على الحدود الإدارية مع محافظة أبين، ما يجعلها نقطة ارتكاز حيوية للسيطرة على المنافذ الجنوبية لمحافظة البيضاء.
ويؤكد محللون عسكريون أن تعزيز الحوثيين لقواتهم في الزاهر يأتي ضمن مخطط أوسع لتأمين خطوط إمداد جديدة وفتح محاور تهديد مباشرة للمحافظات الجنوبية المحررة، ملفتين إلى أن السيطرة على الزاهر تمنح المليشيا القدرة على التهديد المباشر لمحافظتي لحج وأبين، وتشكل نقطة انطلاق محتملة لعمليات عسكرية باتجاه الجنوب.
من جانبهم، يرى مختصون في الشأن اليمني أن التوقيت الحالي للتعزيزات الحوثية ليس عشوائياً، بل يأتي في سياق استراتيجية متكاملة تستغل عدة عوامل إقليمية ودولية، مشيرين إلى أن الحوثيين يسعون للاستفادة من حالة التهدئة النسبية على الجبهات الأخرى لإعادة ترتيب أوراقهم وتعزيز مواقعهم في المناطق الاستراتيجية.
أهداف محتملة
أبرز الأهداف المحتملة وراء هذه التحركات، وفق المحللين، تتمثل في محاولة المليشيا تغيير المعادلات الميدانية على الأرض قبل أي مفاوضات محتملة، فالحوثيون يدركون أن القوة العسكرية على الأرض تمنحهم أوراقاً تفاوضية أقوى في أي مسار سياسي مستقبلي.
يضاف إلى ذلك سعي المليشيا لتأمين عمق استراتيجي يحمي مناطق سيطرتها في ذمار وصنعاء من أي عمليات عسكرية محتملة من الجنوب، فمحافظة البيضاء تشكل منطقة عازلة بين معاقل الحوثيين في الشمال والمحافظات الجنوبية المحررة، ما يجعل تعزيز السيطرة عليها أولوية استراتيجية للجماعة.
كما يرى محللون أن التعزيزات تهدف أيضاً إلى الضغط على القبائل المحلية التي ما زالت تقاوم الوجود الحوثي في عدة مناطق بالبيضاء، خاصة في مديريات مثل الزاهر وقيفة. فالمليشيا تسعى لإخضاع هذه القبائل بالقوة العسكرية لمنع تشكيل جبهات مقاومة جديدة ضدها.
في سياق متصل، يشير مختصون إلى أن الحوثيين يحاولون من خلال هذه التحركات قطع طرق الإمداد المحتملة بين القوات الحكومية في مأرب والمناطق المحررة في الجنوب، فالبيضاء تمثل حلقة وصل جغرافية حيوية بين هذه المناطق، والسيطرة الكاملة عليها تعزل الجبهات الحكومية عن بعضها البعض.
وفيما يتعلق بتوقيت هذه التحركات، يلفت محللون إلى أن المليشيا تستغل الانشغال الدولي والإقليمي بملفات أخرى، خاصة التطورات في غزة وسوريا ولبنان، لتنفيذ تحركاتها العسكرية دون أن تواجه ضغوطاً دولية كبيرة. كما أن التهدئة النسبية على جبهة البحر الأحمر منحتها مساحة أوسع للتركيز على الجبهات الداخلية.
التوقيت
لكن السؤال الأكثر إلحاحاً الذي يطرحه المراقبون هو لماذا الصمت المطبق من قبل التحالف العربي والحكومة الشرعية إزاء هذه التحركات العسكرية الحوثية الواضحة؟ هذا الصمت يثير تساؤلات جدية حول الاستراتيجية العسكرية والسياسية للتعامل مع التصعيد الحوثي المستمر.
يعتقد محللون سياسيون أن صمت التحالف والحكومة الشرعية يمكن أن يُفسر بعدة احتمالات، أولها استمرار التزام السعودية بمسار التهدئة والمفاوضات مع الحوثيين الذي بدأ منذ أبريل 2022، فالرياض تفضل الحل السياسي على التصعيد العسكري، حتى لو تطلب ذلك تجاهل بعض التحركات الحوثية على الأرض.
الاحتمال الثاني يتعلق بالأولويات السعودية الاستراتيجية التي تركز حالياً على مشاريع التنمية الداخلية وتحقيق رؤية 2030، ما يجعلها تتجنب أي تصعيد عسكري قد يستنزف مواردها أو يهدد استقرارها الأمني. فالسعودية تدرك أن العودة للتصعيد العسكري ستكلفها ثمناً باهظاً دون ضمانات بتحقيق نصر حاسم.
أما الاحتمال الثالث فيشير إلى وجود تفاهمات غير معلنة بين السعودية والحوثيين تتيح للمليشيا هامشاً من الحركة في المناطق الداخلية مقابل وقف الهجمات على الأراضي السعودية وعدم استهداف المنشآت النفطية، هذه التفاهمات، إن وجدت، تفسر الصمت السعودي عن التحركات الحوثية طالما أنها لا تمس الأمن السعودي مباشرة.
يشير خبراء عسكريون إلى أن التعزيزات الحوثية الأخيرة ليست حالة معزولة، بل جزء من حملة تعبئة عسكرية واسعة تشهدها عدة جبهات، فخلال الأسابيع الماضية، رُصدت تعزيزات حوثية مماثلة باتجاه جبهات مأرب وتعز والجوف، ما يشير إلى أن المليشيا تستعد لتصعيد عسكري شامل على عدة محاور.
كما تتزامن هذه التحركات مع حملات تجنيد إجباري مكثفة تقودها المليشيا في المناطق الخاضعة لسيطرتها، خاصة في محافظتي إب وذمار، هذه الحملات تستهدف تعويض الخسائر البشرية الكبيرة التي تكبدتها المليشيا على مختلف الجبهات، وتوفير العناصر اللازمة لأي عمليات تصعيدية مستقبلية.
يؤكد مراقبون أن غياب الاستجابة العسكرية الفورية من التحالف والحكومة الشرعية على هذه التحركات يرسل رسالة خطيرة للحوثيين مفادها أن الساحة مفتوحة أمامهم للتمدد والتوسع دون رادع. هذا الوضع قد يدفع المليشيا لتنفيذ عمليات عسكرية واسعة باتجاه الجنوب استغلالاً لحالة الارتباك والانقسام في صفوف خصومها.
من جانبهم، يطالب نشطاء يمنيون بموقف واضح وحاسم من التحالف العربي والحكومة الشرعية إزاء التصعيد الحوثي المتواصل.
ويشددون على أن السكوت عن التحركات العسكرية للمليشيا يعني التخلي عن المناطق المحررة وتركها نهباً للتمدد الحوثي الإيراني.
يختم المحللون بالتأكيد على أن الوضع الحالي يتطلب إعادة تقييم شاملة للاستراتيجية العسكرية والسياسية في مواجهة الحوثيين، فالاكتفاء بالصمت والمراقبة لن يوقف التمدد الحوثي، بل سيشجعه على مزيد من التصعيد، ما يهدد بانهيار شامل للجبهات وفقدان ما تبقى من مناطق محررة، وتحويل البيضاء إلى قاعدة انطلاق حوثية لاستهداف عمق المحافظات الجنوبية المحررة.