إيران وحالة الانتظار لمصير ضبابي

إيران وحالة الانتظار لمصير ضبابي

د. جيرار ديب - منذ ساعة

توجّه نجل شاه إيران السابق، رضا بهلوي، برسالة نشرها عبر منصة “إكس”، أوضح فيها كيف ستتصرف إيران تجاه جيرانها والعالم بعد سقوط النظام.
وجاء في الرسالة أن “إيران الحرة ستتخلى عن برنامجها النووي العسكري، وستوقف دعم الجماعات الإرهابية، وستعمل مع شركائها الإقليميين والدوليين لمواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة، وستعيد العلاقة مع الولايات المتحدة ويتم الاعتراف بإسرائيل على الفور، وتسعى للانضمام إلى قافلة الدول التي وقّعت على اتفاقيات أبراهام”.

لم يقدم رضا برنامجًا انتخابيًا رئاسيًا يتضمن رؤية واضحة لإستراتيجية طهران المستقبلية، بل يطرح نفسه رئيسًا مستقبليًا لإيران بعد سقوط نظام المرشد الأعلى علي خامنئي. وما كتبه في الرسالة يحاكي مطالب أميركا وإسرائيل، وهو ما تعملان على تحقيقه عبر ممارسة المزيد من الضغوط على النظام القائم للسير بهذه النقاط، وعلى رأسها التخلي عن البرنامجين النووي والصاروخي وتفكيك وكلائها في المنطقة، دون التطرق إلى عملية التطبيع مع إيران التي قد لا تكون هدفًا إسرائيليًا في الوقت الحالي. لكن هل رضا هو رجل المرحلة بالنسبة لهما؟ قد يكون هذا مستبعدًا في ظل تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب باعتقاده أن أي نظام بديل قد لا يستطيع ملء الفراغ.

ارتفع ليل 14 – 15 يناير – كانون الثاني منسوب التوتر لدى شعوب المنطقة، حيث وقعت في “حالة الانتظار” لما سيقرره الرئيس ترامب بشأن أمر قواته تنفيذ ضربات عسكرية على إيران بهدف ردعها عن قتل شعبها الذي دخلت احتجاجاته أسبوعها الثالث، وتحولت من سلمية إلى أعمال عنف متبادل سقط خلالها المئات بين قتيل وجريح من الجانبين. ورغم الحديث عن الاستعدادات العسكرية لهذه الضربة، وقيام بعض الدول بنقل رعاياها من إيران، ورغم ارتفاع منسوب القلق في إسرائيل التي فتحت بعض الملاجئ لمواطنيها، وكذلك في القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في المنطقة، إلا أن الضربة لم تُنفذ، بل عقد ترامب مؤتمرًا صحافيًا في البيت الأبيض تحدّث فيه عن أهمية الحليب ووقّع مشروع قانون يسمح بإعادة توزيع الحليب كامل الدسم في وجبات المدارس.

أمام مشهدية “الانتظار” التي يعيشها النظام الإيراني والمنطقة والعالم، لم تُنفذ الضربة، وقد لا تُنفذ، لأن ترامب اعتبر أن النظام ينفذ ما يُطلب منه، إذ أوقف القتل كما زعم، ولم ينفذ عمليات الإعدام. من الواضح أن الإدارة الأميركية ليست بصدد توجيه ضربات قاصمة للنظام الإيراني، فهي في الوقت الحالي لا تجد بديلًا له، كما تخشى الفوضى التي قد تتدحرج إلى المنطقة وتطال مصالحها وقواعد تموضعها. إذ إن الولايات المتحدة لديها استحقاقات ذات أهمية مرتفعة تكمن في الحفاظ على أمن حدودها، كما كان الحال مع فنزويلا، وكذلك الأمر في جزيرة غرينلاند ذات الأهمية الاستراتيجية لواشنطن، والتي تحولت إلى ساحة جدال وتشنج مع دول الاتحاد الأوروبي.

لن تقدم واشنطن على عملية عسكرية، فتهديدات رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف تأخذها على محمل الجد، إذ أكد أن بلاده ستضرب إسرائيل والتواجد الأميركي في المنطقة، وإن إشراك وكلاء إيران في هذه الحرب أكدته زيارة وزير خارجية إيران إلى لبنان، عباس عراقجي، التي جاءت خالية من المضمون الدبلوماسي. كذلك تتوجس واشنطن من أن لا تكون الضربة التي ستنفذها قاصمة بشأن إسقاط النظام، ما يدخلها في حرب قد تطول فصولها وتهدد أمن النفط العالمي من عدة مضائق، أهمها مضيق هرمز الذي تسيطر عليه القوات الإيرانية، ويُعد بوابة رئيسية لحوالي 20% من صادرات النفط العالمية، الأمر الذي سيؤثر على ارتفاع أسعار النفط ويعزز موازنة روسيا العسكرية.

ليس من القرار الصائب الدخول في مواجهة عسكرية مفتوحة مع إيران، بل إن خيار دعم المحتجين هو الأنسب لوضع إيران في حالة إرباك داخلي، تسمح لواشنطن وتل أبيب بتحقيق مصالحهما في المنطقة، وقادرة على دفع النظام إلى تقديم تنازلات، وعلى رأسها وقف تمويل أذرعه. حالة الانتظار الإيرانية تتحول إلى حالة “ابتزاز” إسرائيلية، من خلال ممارسة المزيد من الضغط على حزب الله لتطبيق خطة الجيش اللبناني في سحب سلاح شمال الليطاني. كذلك، فإن هذه الحالة بالنظرة الإسرائيلية تفيدها في عزل حركة حماس وحثها على تسليم سلاحها، بعد إعلان المبعوث الأميركي إلى المنطقة ستيف ويتكوف، يوم الأربعاء 14 كانون الثاني، عن بدء الدخول في المرحلة الثانية من خطة ترامب لغزة، والتي تتضمن سحب سلاح الحركة.

قد يذهب ترامب إلى قراءة أكثر واقعية تجاه إيران، فلا يخاطر بعمل عسكري ضد نظام متهالك اقتصاديًا وداخليًا، يشكّل في الوقت نفسه الدافع لتواجد الجيش الأميركي في المنطقة. كما هو الحال عند واشنطن، كذلك عند تل أبيب التي ترى في سقوط هذا النظام إشكاليات لتواجدها في أكثر من منطقة، مثل أذربيجان أو حتى أرض الصومال على مشارف البحر الأحمر لتطويق حركة الحوثيين المؤيدين لطهران.

ورغم أن قراءة استراتيجية أعمق قد تدفع ترامب إلى التردد في توجيه الضربات إلى طهران، فإن الانزلاق إلى حرب في المنطقة يبقى أمرًا واردًا رغم استبعاده عسكريًا. لكن التوجه الأميركي يبقى وضع الملف الإيراني في “حالة الانتظار”، مع تقديم الدعم للمحتجين نحو مزيد من الإرباك الداخلي، ومع رفع أصوات غربية وأممية تطالب النظام بوقف ممارسة القتل والعنف تجاه شعبه، الأمر الذي سيمنح واشنطن تفويضًا دوليًا ليس فقط لإسقاط النظام، بل لتطبيق نموذج العراق عند إسقاط صدام حسين. لكن يبقى السؤال: هل سيظل حلفاء النظام في إيران في حالة التفرج على سيناريو فنزويلي آخر؟

نقلا عن صحيفة العرب