لم يعد ممكنًا قراءة ما يجري في عدن، ولا الخطاب المصاحب لعملية ما سُمي «استلام المعسكرات»، بوصفه إجراءً أمنيًا محليًا أو ترتيبًا إداريًا محدود الأثر.. نحن أمام تحوّل أعمق، يتصل بإعادة تعريف معنى القوة، والحسم، وحتى الحرب نفسها في اليمن، في لحظة إقليمية ودولية لم تعد تحتمل الضجيج العسكري، لكنها لا تمانع فرض الوقائع بهدوء.
منذ أزمة المجلس الانتقالي ومحاولته فرض السيطرة الكاملة على الجنوب، دخلت الشرعية اليمنية، بدعم مباشر من التحالف، مرحلة مختلفة في إدارة الصراع الداخلي.
اللافت لم يكن فقط سرعة الحسم في المحافظات الشرقية، بل اللغة التي رافقته.. عملية عسكرية وُصفت بالسلمية، مصطلح بدا للوهلة الأولى متناقضًا، لكنه في الحقيقة يعكس انتقالًا واعيًا من منطق الحرب المفتوحة إلى منطق الحسم المؤطر سياسيًا.
ما جرى في عدن لم يكن استثناءً، بل نموذج اختبار.. إخراج المعسكرات من المدينة، تحويلها إلى منشآت مدنية، وتسليم الملف الأمني لجهاز محلي مدعوم، لم يكن قرارًا تقنيًا، بل إعلانًا صريحًا عن نهاية مرحلة عسكرة المدن، وبداية مرحلة احتكار الدولة للسلاح بوصفه شرطًا لأي سلام قابل للحياة.
هنا تحديدًا تتقاطع عدن مع صنعاء.
الخطاب الرسمي الذي أشاد بـ«النجاح النوعي» لعملية استلام المعسكرات، وربطه باحتكار الدولة للسلاح ومنع أي كيانات عسكرية خارج إطارها، لا يمكن فصله عن الصراع مع مليشيا الحوثي.
الفارق الوحيد أن الحوثيين ما زالوا يعتقدون أن السلام مظلة تحميهم من الحسم، بينما تشير الوقائع إلى أن السلام نفسه يجري تحويله إلى أداة للحسم.
نحن أمام إعادة هندسة للمواجهة. لم يعد المطلوب اجتياح المدن، ولا خوض معارك استنزاف طويلة، بل تفكيك بنية المليشيا خطوة خطوة.
الخارطة الميدانية المحتملة لا تبدأ من قلب صنعاء، بل من أطرافها.. من خطوط الإمداد القادمة من صعدة وعمران، من شبكة الجبايات، من منظومة التعبئة، ومن مراكز السيطرة الأمنية التي تحوّل العاصمة إلى ثكنة كبيرة.
هذا النوع من الحسم لا يُعلن، ولا يُرفع له شعار النصر.. ولكني أراه بأنه يدار بهدوء، ويُغلّف بخطاب الاستقرار، وترافقه تدخلات إنسانية، ومشاريع خدمية، ومسارات تهدف إلى نزع آخر أوراق المليشيا الدعائية.
في هذا السيناريو، تتحول الكتلة العسكرية الحوثية داخل صنعاء من مصدر قوة إلى عبء، ويصبح السلاح عبئًا سياسيًا وأخلاقيًا قبل أن يكون أداة قتال.
أخطر ما يواجه الحوثيين اليوم ليس ضربة عسكرية قادمة، بل فقدانهم القدرة على التحكم بإيقاع الصراع. المبادرة لم تعد بأيديهم. لم يعودوا من يحدد متى تبدأ الحرب ومتى يتوقف السلام. النموذج الذي جُرّب في عدن، ثم ثُبّت سياسيًا، بات قابلًا للتوسيع، والتطبيق، والتكييف مع خصوصية صنعاء.
لهذا، فإن السؤال لم يعد: هل ستقع معركة صنعاء؟ بل: كيف ستُدار عملية نزع سلاح المليشيا في صنعاء، وتحت أي عنوان سياسي، وفي أي توقيت إقليمي ودولي؟
ما يجري اليوم يوحي بأن اليمن يدخل مرحلة يُفرض فيها الحسم دون أن يُسمّى حربًا، ويُنتزع فيها السلاح دون أن تُعلن معركة.. سلام من نوع جديد، لا يقوم على التسويات الهشة، بل على تفكيك مصادر القوة غير الشرعية، وإعادة تعريف الدولة باعتبارها الجهة الوحيدة المخوّلة بحمل السلاح.
عدن كانت البداية.. وصنعاء، على ما يبدو، لم تعد بعيدة عن هذا المسار.
* محمود الطاهر- كاتب صحفي ومحلل سياسي