سخط من الداخل الحوثي يربك تماسك المليشيا.. انتقادات وانشقاق تكشف تصاعد الاحتقان

سخط من الداخل الحوثي يربك تماسك المليشيا.. انتقادات وانشقاق تكشف تصاعد الاحتقان

الحديدة لايف: متابعات - منذ ساعتين

كشفت مواقف وتصريحات صادرة عن شخصيات وقيادات سابقة وحالية في جماعة الحوثي، خلال الفترة الأخيرة، عن تصاعد حالة السخط داخل البيئة الموالية للجماعة، على خلفية الأوضاع المعيشية المتدهورة، وممارسات الجباية، والاستحواذ على الممتلكات، إلى جانب اتهامات بالظلم والتمييز والصراعات داخل بنية السلطة الحوثية.

وتشير هذه المواقف، التي لم تعد تقتصر على أصوات معارضة للجماعة، إلى اتساع دائرة الانتقادات من داخل صفوفها وبيئتها الاجتماعية والسياسية، بما يعكس احتقاناً متزايداً داخل الجماعة التي تواجه في الوقت نفسه ضغوطاً عسكرية واقتصادية وسياسية.

وكان القيادي الحوثي السابق محمد المقالح، الذي شغل عضوية ما كانت تُعرف بـ«اللجنة الثورية العليا» عقب انقلاب الجماعة، من أبرز الأصوات التي صعّدت انتقاداتها مؤخراً، واصفاً سلطة الحوثيين بأنها «سلطة طاردة للحياة».

وقال المقالح إن سنوات سيطرة الحوثيين على صنعاء شهدت نزيفاً وهجرة جماعية لرؤوس الأموال والمثقفين والفنانين والسياسيين والنشطاء والإعلاميين، مشيراً إلى مغادرة قنوات ومراسلين إعلاميين، فيما يعيش من تبقى في مناطق سيطرة الجماعة حالة من الانكفاء والمعاناة اليومية نتيجة تدهور الأوضاع المعيشية.

وفي انتقاد أكثر ارتباطاً ببنية الجماعة نفسها، قال المقالح إن سلطة الحوثيين أصبحت «منقسمة على نفسها»، مرجعاً السبب الجذري لذلك إلى ما وصفها بقضية «الولاية»، التي قال إنها تستنزف الجماعة وستؤدي في نهاية المطاف إلى إهلاكها.

وتكتسب تصريحات المقالح أهمية خاصة لكونها صادرة عن شخصية عرفت بنية الجماعة من الداخل، وكانت جزءاً من منظومتها السياسية، الأمر الذي يجعلها مؤشراً على اتساع مساحة التذمر داخل الأوساط التي كانت في السابق محسوبة على المشروع الحوثي.

وفي مؤشر آخر على تنامي الاحتقان، أعلن ضابط في الأمن المركزي الخاضع للحوثيين، يُعرف باسم النقيب أبو مرتاح الصيادي، انشقاقه عن الجماعة، بعد انتشار تسجيل مصور ظهر فيه وهو يشكو من الجوع وتدهور الظروف المعيشية التي يعاني منها أفراد الأمن.

وفي تسجيل لاحق، قال الصيادي إنه «نجا» من الجماعة، متحدثاً عن سنوات خدمته في قوات الأمن المركزي، ومقراً بمشاركته سابقاً في حشد الناس لفعاليات الحوثيين وتنفيذ عمليات أمنية وجمع أموال من المدنيين لدعم أنشطة الجماعة.

وأعرب الصيادي عن ندمه على مشاركته في التجنيد والتعبئة، وقال إن مسؤولين حوثيين أجبروه على الاعتذار بعد انتشار تسجيل «أنا جائع»، مشيراً إلى أن انتشار المقطع أثار حالة من القلق لدى قيادات الجماعة.

وبحسب روايته، دفعت حالة القلق تلك السلطات الحوثية إلى إبقاء قوات الأمن في صنعاء في حالة تأهب خشية اندلاع احتجاجات شعبية، في وقت اتهم فيه مشرفين ومسؤولين حوثيين بالاستيلاء على منازل وممتلكات مواطنين، وانتقد أوضاع السجون التابعة للجماعة.

وتزامن ذلك مع تصاعد انتقادات شخصيات أخرى كانت محسوبة على الجماعة أو قريبة من بيئتها، من بينها الأكاديمي في جامعة عمران عبد السلام الكبسي، الذي اتهم سلطة الحوثيين بممارسة الظلم وتحميل أشخاص مسؤولية أفعال لم يرتكبوها.

وسبق للكبسي أن انتقد ما وصفه بـ«دولة الجبايات»، محذراً من الأعباء المالية التي يتحملها المواطنون في ظل انقطاع الرواتب وتراجع الخدمات وتدهور الظروف المعيشية، كما انتقد محاولات اختزال اليمن في المشروع الحوثي، ووجّه انتقادات لممارسات مرتبطة بالأراضي والممتلكات واستغلال النفوذ.

وفي تصعيد آخر من داخل المنظومة الحوثية، وجّه عبد السلام جحاف، عضو مجلس شورى الجماعة، انتقادات علنية إلى قيادات نافذة فيها، متهماً إياها بشن حملات تشويه وتحريض ضده والتضييق عليه وتهديده.

وقال جحاف إنه لن يصمت أمام ما يتعرض له حتى لو كلفه ذلك حياته، في موقف يعكس انتقال الخلافات الداخلية من نطاقها المغلق إلى العلن، خصوصاً أن جحاف كان خلال السنوات الماضية من المدافعين عن الجماعة والمهاجمين لخصومها.

وسبق لجحاف أن دخل في خلافات مع قيادات حوثية، بينها قيادات من محافظة صعدة، واتهمها بتهميش أبناء محافظة ريمة والتعامل معهم باعتبارهم مواطنين من «الدرجة الخامسة».

وتكشف هذه المواقف المتزامنة عن صورة مختلفة عن التماسك الذي تحاول جماعة الحوثي إظهاره في مناطق سيطرتها، إذ باتت الانتقادات تصدر من شخصيات شاركت في مشروعها السياسي والأمني، ومن قيادات لا تزال داخل مؤسساتها، إلى جانب حالات انشقاق ورفض علني لممارساتها.

ويأتي تصاعد هذا السخط الداخلي في ظل ضغوط متزايدة تواجهها الجماعة على المستويات العسكرية والاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي يضع قدرتها على الحفاظ على تماسك بيئتها الداخلية أمام اختبار متزايد، خصوصاً مع استمرار تدهور الأوضاع المعيشية وتصاعد الشكاوى من الجبايات والممارسات الأمنية والصراعات بين أجنحتها.

وبين تصريحات سياسية تصف سلطة الحوثي بأنها منقسمة على نفسها، وانشقاقات أمنية تكشف تدهور أوضاع العناصر الموالية، وانتقادات أكاديمية وقيادية تتحدث عن ظلم وتمييز وتحريض داخلي، تتقاطع المؤشرات لترسم صورة عن أن المليشيا تواجه سخطاً متنامياً من داخل بيئتها ذاتها، في وقت تشتد فيه الضغوط العسكرية عليها من الخارج، بما ينعكس بشكل مباشر على مدى قدرتها على الحفاظ على تماسكها الداخلي.