يمثل انعقاد المؤتمر العام التأسيسي للمجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى في مدينة المكلا خطوة جيو سياسية فارقة تجاوزت مجرد ترتيب البيت الداخلي لأكبر محافظات اليمن مساحة وأغناها ثروة؛ إذ جاء الحدث ليعيد صياغة موازين القوى في الجغرافيا اليمنية ككل.
وحمل الإعلان عن تزكية سالم أحمد الخنبشي عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت، رئيساً للمجلس، رسائل سياسية بالغة الدلالة تعكس تحولاً جذرياً في طبيعة الصراع على تمثيل المحافظات الشرقية والجنوبية.
وتكشف القراءة المتعمقة لمخرجات هذا المؤتمر عن أبعاد استراتيجية متشابكة تُجهض تماماً مساعي الهيمنة السابقة وتحجم تمدد المشاريع الشمولية التي حاولت قسراً فرض خيار الانفصال الأحادي وتأطير حضرموت كتابع جغرافي واقتصادي لها.
إجهاض التبعية لمشروع الانفصال
تُثبت المخرجات السياسية للمؤتمر أن المسار الذي كان يقوده المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يسير نحو الانحلال والتراجع الميداني والسياسي، لضم حضرموت تحت عباءة دولة جنوبية مركزية جديدة قد وصل إلى طريق مسدود.
لقد جاء الإعلان الصريح بأن حضرموت «قضية سياسية وطرف أصيل ومستقل في أي حوار أو تسوية» بمثابة إعلان فك ارتباط سياسي ومجتمعي عن سردية "الجنوب العربي الموحد" التي حاول الانتقالي فرضها بقوة السلاح والدعاية.
ويكشف تبني المؤتمر لخيار الفيدرالية كمحور للنقاش، وشعار «حضرموت أولاً.. شراكة في الوطن، وعدالة في السلطة والثروة» عن قناعة النخبة الحضرمية بأن مصلحة المحافظة تكمن في معادلة سياسية جديدة لا تلغي الهوية اليمنية العامة، بل تؤمن بها في إطار اتحادي لامنصاع للمركزية الشمالية التقليدية ولا للتبعية الجنوبية الناشئة.
هذا التحول الجوهري يشير بوضوح إلى حالة من "التشظي البنيوي" في الجسد السياسي لما كان يُعرف بالجنوب اليمني؛ فالقوى الحضرمية بمختلف مكوناتها آثرت فتح قنوات تمثيلية مستقلة ومباشرة مع العاصمة السعودية الرياض عبر التخطيط لافتتاح مكتب تمثيلي هناك، مما يعني تجاوز الكيانات الجنوبية تماماً والتعامل مع الإقليم والمجتمع الدولي ككتلة جغرافية مستقلة القرار ترفض الوصاية والتبعية.
السيادة على الثروة وكسر احتكار المركز المالي
جاء الجانب الاقتصادي في بيان المجلس التنسيقي الأعلى ليرسم خطوطاً حمراء غير قابلة للمساومة، متجاوزاً لغة المطالب التقليدية إلى فرض شروط سيادية قاسية.
ويعد الموقف الحازم برفض استئناف تصدير نفط حضرموت قبل ضمان نيل المحافظة لكامل استحقاقاتها وحصتها المقدرة بعشرين بالمئة، بمثابة ضربة استباقية لأي تسويات فوقية قد تبرمها أطراف الصراع على حساب المقدرات المحلية.
ويتجاوز هذا التوجه مسألة العائدات المالية إلى تكريس حق الإدارة الكاملة للثروات وتوجيهها المباشر لمشاريع البنية التحتية والخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والصحة من خلال التخطيط لإنشاء "مجلس اقتصادي استشاري".
هذا الربط الصارم بين التنازل عن الموارد وضمان القرار السياسي يمثل ركيزة لإنهاء المركزية المالية، ويمنح حضرموت استقلالية اقتصادية تجعلها محصنة ضد الابتزاز المالي من أي طرف يمني، سواء كان في صنعاء أو في عدن، مما يعزز فرضية نشوء كيان فيدرالي متمكن وقائم بذاته مالياً وإدارياً.
قطع خطوط التمدد الخارجي
لا يمكن لأي مشروع سياسي واقتصادي أن يصمد دون ذراع عسكرية تحميه، وهو الأمر الذي فطن إليه المؤتمر التأسيسي عبر تشديده على حق أبناء المحافظة المطلق في بناء وتأهيل قوات أمنية وعسكرية حضرمية مهنية وخالصة.
هذا البند يحمل في طياته توجهاً صريحاً لإحلال النفوذ العسكري المحلي بدلاً من التشكيلات المسلحة التابعة للمكونات الخارجية التي حاولت مراراً التغلغل في مديريات الوادي والصحراء والسيطرة على الساحل الحضرمي.
إن حصر مهمة تأمين المنافذ والحدود والثروات والمؤسسات السيادية في أيدي قوات محلية يعني تجريد القوى الإقليمية والمحلية المناوئة من أوراق الضغط العسكري.
ويتكامل هذا التوجه الأمني مع الدعم السياسي الواضح للإجراءات الدفاعية المشتركة لمجلس القيادة الرئاسي ومجلس الدفاع الوطني في مواجهة الاعتداءات الحوثية، وتطوير التنسيق الأمني والعسكري مع المملكة العربية السعودية كحليف استراتيجي ضامن لاستقرار هذه المنطقة الحيوية المتاخمة لحدودها الجنوبية، وبما يمنع انزلاق حضرموت في أتون الفوضى الأمنية.
يمن فيدرالي بلا انفصال
تقود القراءة التحليلية الشاملة لمخرجات المجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى إلى استنتاج رئيسي مفاده أن قطار "انفصال الجنوب" وفق التصور التقليدي للمجلس الانتقالي قد تفرمل بنيوياً بفعل الاستفاقة السياسية لحضرموت.
وإذا كانت حضرموت التي تمثل ثلثي مساحة الجنوب وثقله الاقتصادي قد قررت ألا تكون جزءاً من أي مشروع انفصالي يُلغي خصوصيتها، فإن بقاء الجنوب ككتلة جغرافية وسياسية موحدة تسعى للاستقلال بات أمراً غير واقعي بالمعايير السياسية الحالية.
هذا المعطى الجديد يؤكد أن اليمن يتجه نحو صيغة فيدرالية مركبة تحافظ على وحدته الجغرافية العامة مع منح الأقاليم الكبرى كحضرموت حكماً ذاتياً حقيقياً، بينما تتفكك وتتشظى الكيانات الجنوبية التي عجزت عن تقديم مشروع جامع ومقنع لشركاء الأرض والثروة؛ ليغدو قرار حضرموت اليوم هو الرقم الصعب الذي يُلزم الجميع باحترامه ولا يمكن تجاوزه في أي خارطة طريق دولية أو إقليمية لرسم مستقبل اليمن.