تتسارع خطى التصعيد العسكري والسياسي في منطقة الشرق الأوسط لترسم ملامح مواجهة كبرى وشيكة بين واشنطن وطهران، حيث لم تعد الجغرافيا اليمنية مجرد ساحة لصراع محلي، بل تحولت إلى خط الدفاع الأول والمصدة الاستراتيجية الأهم في العقيدة العسكرية الإيرانية لمواجهة الولايات المتحدة الأمريكية.
وجاء إعلان القوات البحرية اليمنية وخفر السواحل عن التصدي لأربعة زوارق انتحارية تابعة لجماعة الحوثيين أثناء محاولتها الاقتراب من جزيرتي حنيش وزقر في البحر الأحمر، ليكشف عن شواهد ميدانية حية تترجم طبيعة المهام الموكلة لـخمسة وسبعين خبيراً من الحرس الثوري الإيراني، والذين جرى دفعهم مؤخراً إلى غرف العمليات لتكثيف التهديدات ضد الملاحة الدولية وتهريب الأسلحة والمعدات العسكرية عبر الممرات المائية الحيوية.
وتأتي هذه التحركات الحوثية البحرية المكثفة، والتي تعد الثانية من نوعها خلال أقل من أسبوع، بالتزامن مع إعلان طهران الصريح بأن اليمن يمثل جزءاً محورياً من منظومة الردع والمصدات العسكرية التابعة لها في حربها المفتوحة ضد المجتمع الدولي، مما يؤكد أن قيادة الحرس الثوري باتت توجه بوصلة عملياتها نحو استهداف دول الخليج العربي انطلاقاً من الأراضي اليمنية.
وتطمح إيران من خلال هذه الاستراتيجية إلى نقل المعركة بعيداً عن حدودها المباشرة، ومحاولة خنق حركة التجارة العالمية في مضيق باب المندب، ليكون ورقة ضغط موازية في حال تعرض عمقها لضربات عسكرية مباشرة، لا سيما مع تواتر التصريحات الحازمة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب وعزمه المعلن على ضرب النظام الإيراني بقوة غير مسبوقة لتقويض طموحاته النووية والإقليمية.
وفي المقابل، تبدو الإدارة الأمريكية الحالية وكأنها ترتب رقعة الشطرنج الدولية لخوض هذه الحرب الضخمة دون أن تخشى التداعيات الكارثية المحتملة لقطع إمدادات الطاقة أو إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران.
وتجلت هذه الاستراتيجية الاستباقية في التصريحات الأمريكية الأخيرة التي أكدت نجاح وزيري الخارجية والحرب في تأمين حصول الولايات المتحدة على أكثر من خمسة وستين مليار برميل من احتياطيات النفط الضخمة في فنزويلا، وهو تحول جيوسياسي وتجاري بالغ الأهمية يعزل أسواق الطاقة الدولية عن الابتزاز الإيراني المعتاد، ويمنح واشنطن وحلفاءها غطاءً نفطياً آمناً ومستداماً يتيح لها المضي قدماً في خيار الردع العسكري الشامل ضد طهران دون الخوف من قفزات جنونية في أسعار الوقود العالمية.
إن الربط بين تأمين واشنطن للبدائل النفطية في أمريكا اللاتينية وتصاعد الهجمات الحوثية المسيرة إيرانياً في البحر الأحمر، يوضح أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة كسر العظم؛ فبينما تسعى أمريكا لتحييد سلاح النفط والمضائق الذي طالما لوحت به طهران، تندفع الأخيرة بكل ثقلها الاستخباراتي والعسكري عبر خبراء الحرس الثوري لتثبيت أقدامها على الجزر اليمنية الحاكمة كجزر حنيش وزقر.
ويضع هذا المشهد المعقد المنطقة أمام سيناريوهين لا ثالث لهما؛ إما رضوخ إيراني كامل تحت وطأة الحصار الشامل والضربات الوشيكة، أو انفجار مواجهة إقليمية واسعة النطاق تشكل الجغرافيا البحرية لليمن ومضايقها الدولية مسرح عملياتها الأكثر سخونة وخطورة.