الحوثيون يحتكرون الاتصالات.. والحكومة تكتفي بالتوجيهات بينما مليارات القطاع تموّل الحرب

الحوثيون يحتكرون الاتصالات.. والحكومة تكتفي بالتوجيهات بينما مليارات القطاع تموّل الحرب

الحديدة لايف: خاص - منذ 7 ساعات

أعاد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، محمود الصبيحي، فتح واحد من أخطر الملفات السيادية في البلاد، بعدما وجّه، الثلاثاء 28 أبريل 2026، بضرورة تأهيل وتشغيل كافة شبكات الاتصالات في المناطق الواقعة ضمن نفوذ الحكومة المعترف بها دوليًا، ورفع جاهزيتها لتلبية احتياجات السكان وتحفيز النشاط الاقتصادي، مع التشديد على توفير خدمات الإنترنت بأسعار مناسبة وتسريع مشاريع التحول الرقمي.

وبحسب ما أوردته وكالة الأنباء الرسمية، جاء توجيه الصبيحي خلال لقائه وزير الاتصالات وتقنية المعلومات شادي باصرة في مدينة عدن، حيث تم استعراض التحديات التي تواجه القطاع، وفي مقدمتها الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية جراء الحرب، إلى جانب خطط الوزارة لتوسيع التغطية وتحسين حركة البيانات.

غير أن هذه التوجيهات، رغم أهميتها الشكلية، تعيد إلى الواجهة سؤالًا أكثر جوهرية وهي كيف يمكن الحديث عن تأهيل شبكات الاتصالات في المناطق المحررة، بينما ما يزال القطاع السيادي الأهم في البلاد خاضعًا فعليًا لسيطرة مليشيا الحوثي في صنعاء؟

تشير تقارير حديثة إلى أن قطاع الاتصالات الواقع تحت قبضة الحوثيين يدر إيرادات سنوية ضخمة تتجاوز 950 مليون دولار، ما يجعله أحد أبرز مصادر تمويل الجماعة واستمرار نفوذها العسكري والأمني.

وتستخدم الجماعة هذا القطاع في الرقابة، وحجب المعلومات، والتتبع، وتوجيه الرأي العام، وهو ما يحوّل الاتصالات من خدمة عامة إلى أداة حرب وسيطرة سياسية.

ورغم أن الحكومة اليمنية سبق أن أصدرت قرارات متكررة لنقل مقرات شركات الاتصالات إلى عدن، بما في ذلك شركات الهاتف النقال والشركات الدولية، إلا أن التنفيذ ظل متعثرًا أو محدود الأثر، في ظل غياب الإرادة الصارمة، وضعف المتابعة، واستمرار البنية المركزية للقطاع في مناطق سيطرة الحوثيين.

في الواقع، لا تكمن المشكلة في ضعف الشبكات داخل المناطق الحكومية فقط، بل في بقاء المنظومة الوطنية للاتصالات مرتهنة لمركز قرار فني ومالي وإداري خارج سلطة الدولة الشرعية، وهو ما يعني أن أي تطوير جزئي أو تحسين خدماتي داخل المحافظات المحررة سيظل هشًا ما لم يُحسم أصل المشكلة، واستعادة السيادة الكاملة على قطاع الاتصالات.

التوجيهات التي صدرت اليوم تبدو، من حيث المبدأ، خطوة إدارية مطلوبة، لكنها لا ترقى إلى مستوى المعركة الحقيقية، فالمطلوب من الحكومة ليس مجرد تأهيل أبراج أو تحسين سرعات الإنترنت، بل تنفيذ استراتيجية وطنية شاملة لنقل البنية السيادية للاتصالات إلى عدن، وإنشاء مركز وطني مستقل لإدارة البيانات والربط الدولي، وإلزام الشركات بالعمل تحت الترخيص الحكومي الكامل.

كما أن الحكومة مطالبة بتفعيل المشاريع التي ظلت معلقة لسنوات، وعلى رأسها توسيع خدمات مشغلي الإنترنت المستقلين، وربط المحافظات المحررة بمنافذ دولية بعيدة عن هيمنة صنعاء، واستقطاب استثمارات إقليمية لتطوير شبكات الجيل الرابع والخامس، بدل ترك السوق رهينة للواقع المفروض بالقوة.

إن استمرار الوضع الحالي لا يمثل فقط إخفاقًا اقتصاديًا، بل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي اليمني، فكل مكالمة، وكل معاملة رقمية، وكل تدفق للبيانات، يمر عبر منظومة ما تزال في قبضة جماعة مسلحة تستخدم هذا القطاع لتعزيز نفوذها وتمويل أنشطتها.

وعليه، فإن ما تحتاجه الحكومة اليوم ليس مزيدًا من التوجيهات البروتوكولية، بل قرارات سيادية حاسمة تُنهي هذا الاختطاف المزمن، وتعيد الاتصالات إلى سلطة الدولة، باعتبارها شريانًا وطنيًا لا يجوز أن يبقى في يد جماعة متمردة، وفقًا لمراقبين.

وفي ظل ما تحقق سابقًا من نقل بعض الإدارات مثل شركة "تيليمن" إلى عدن، فإن الفرصة لا تزال قائمة، لكن النجاح مرهون بوجود إرادة سياسية موحدة، وإجراءات تنفيذية ملزمة، لا مجرد لقاءات دورية وتوصيات متكررة.