رمضان تحت السيطرة العقائدية في اليمن.. لماذا يخشى الحوثيون الإسلام المعتدل؟

رمضان تحت السيطرة العقائدية في اليمن.. لماذا يخشى الحوثيون الإسلام المعتدل؟

الحديدة لايف: خاص - منذ ساعتين

في خطوة جديدة أثارت استياءً واسعًا في الأوساط الشعبية، أصدرت مليشيا الحوثي الإرهابية توجيهات تقضي بمنع الاعتكاف في مساجد العاصمة المختطفة صنعاء خلال شهر رمضان، في استهداف مباشر لشعيرة دينية راسخة درج عليها اليمنيون في العشر الأواخر من الشهر الفضيل.

وأكدت مصادر محلية أن التعليمات نُقلت شفهيًا عبر مشرفين تابعين للمليشيا، وشملت حظر المبيت في المساجد أو إقامة حلقات الاعتكاف الجماعية، بذريعة ما وصفته الجماعة بـ«الدواعي الأمنية»، في حين يرى مراقبون أن القرار يأتي ضمن مسار متواصل لتقييد الممارسات الدينية المستقلة ومحاولة إعادة تشكيل الوعي الديني بما يخدم مشروعها العقائدي.

وتتزامن هذه الإجراءات مع حوادث مماثلة شهدتها محافظة إب، حيث نفذت المليشيا حملة مداهمات واعتقالات طالت عددًا من أئمة المساجد والمصلين في مديرية حبيش، فقط بسبب إقامتهم صلاة التراويح خلال شهر رمضان.

وبحسب مصادر مطلعة، اعتقلت المليشيا عددًا من طلاب العلم الذين دأبوا على إمامة المصلين في القرى خلال رمضان، في خطوة اعتبرها الأهالي امتدادًا لحملات سابقة استهدفت الأئمة والخطباء منذ انقلاب الجماعة على الدولة عام 2015، ضمن سياسة تهدف إلى السيطرة على الخطاب الديني وتغيير المفاهيم المجتمعية.

وفي سياق متصل، أفادت مصادر محلية بقيام عناصر حوثية بسجن أحد الحلاقين بعد اعتقاله من محل عمله، فقط لأنه كان يشاهد مسلسلًا تلفزيونيًا بدل متابعة محاضرات زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي التي تُبث عبر القنوات التابعة لها.

ويرى مواطنون أن هذه الوقائع تعكس توجهًا واضحًا لفرض نمط ديني أحادي، قائم على الإلزام والاستبدال، بدل السماح بالتنوع الطبيعي في التدين الذي عرفه المجتمع اليمني عبر تاريخه.

تهديدا للمشروع الشيعي
يرى مختصون في الشأن الديني أن منع الاعتكاف أو التضييق على صلاة التراويح لا يمكن فصله عن سعي الجماعة لإعادة تعريف التدين ذاته، بحيث لا يكون التقرب إلى الله فعلًا حرًا نابعًا من قناعة الفرد، بل ممارسة خاضعة لإشراف السلطة العقائدية للجماعة.

ويشير علماء دين إلى أن الاعتكاف وصلاة التراويح تمثلان لحظات استقلال روحي للمجتمع، تتشكل خارج الإطار التعبوي والسياسي، وهو ما تعتبره الجماعة تهديدًا لمشروعها القائم على احتكار التوجيه الديني وربط التدين بالولاء التنظيمي.

إحلال المرجعية الشيعية
ويوضح مختصون أن إجبار الناس على الاستماع لمحاضرات زعيم الجماعة، بدل تركهم لخياراتهم الروحية، يعكس محاولة لإحلال «المرجعية الشخصية» محل المرجعية الدينية الجامعة، بحيث يصبح الارتباط بالقائد جزءًا من الممارسة الدينية اليومية.

ويرى باحثون في الحركات العقائدية أن هذا النهج ينسجم مع نموذج تعبوي معروف في بعض التجارب المرتبطة بمشروع إيران، حيث يجري دمج الولاء السياسي بالعقيدة الدينية، وتحويل الشعائر إلى أدوات تعبئة وتوجيه، بدل كونها مساحات تقرب فردي إلى الله.

ويضيف علماء أن التضييق على الشعائر غير المؤطرة من قبل الجماعة، مقابل فرض الاستماع إلى خطابات قيادتها، يهدف إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي بحيث يصبح الالتزام الديني مرتبطًا بالانخراط في مشروعها، لا بمجرد أداء العبادات.

وبحسب هذه القراءات، فإن الهدف النهائي من هذه السياسات يتمثل في نقل المجتمع من تدين تقليدي متسامح ومتعدد، إلى تدين تعبوي موجه، يقوم على الطاعة والاصطفاف، وهو ما يفسر استهداف المساجد الحرة، والأئمة المستقلين، وحتى الأفراد العاديين الذين يمارسون خياراتهم الدينية أو الثقافية بعيدًا عن الخطاب الرسمي للجماعة.