يشهد النظام الدولي في المرحلة الراهنة حالةً من إعادة التشكل الاستراتيجي، تتقاطع فيها الأزمات الإقليمية مع التنافس بين القوى الكبرى بصورة تذكّر ــ من حيث اتساع المسارح وتداخلها ــ ببعض ملامح البيئة الجيوسياسية التي سبقت وأعقبت الحرب العالمية الثانية. ويمكن قراءة المشهد العالمي الحالي من خلال أربع ساحات رئيسية للتنافس والصراع: الشرق الأوسط، والجبهة الأوكرانية في أوروبا، ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، إضافة إلى تايوان وشبه الجزيرة الكورية.
تتمثل الإشكالية المركزية في كيفية إدارة الولايات المتحدة لتعدد بؤر التوتر في وقت واحد، خاصة في ظل صعود محور مضاد تقوده كل من الصين وروسيا، مع تنامي أدوار قوى إقليمية مثل إيران وامتداداتها في الشرق الأوسط. فالاستراتيجية الأمريكية التقليدية منذ نهاية الحرب الباردة اعتمدت على منع ظهور منافس مهيمن في أي إقليم حيوي، إلا أن التحدي الحالي يتمثل في تزامن الأزمات، بما يفرض ضغطًا متزايدًا على القدرات العسكرية والسياسية والاقتصادية الأمريكية.
في الساحة الأوروبية، تحولت الحرب في أوكرانيا إلى حرب استنزاف طويلة الأمد بين روسيا والغرب. وقد أدركت موسكو أن إطالة أمد الصراع قد تكون أكثر فاعلية من الحسم السريع، لأنها تستنزف المخزون العسكري الغربي وتعمق الانقسامات داخل أوروبا وحلف حلف شمال الأطلسي. وفي المقابل، ترى واشنطن أن خسارة أوكرانيا أو انهيار الدعم الغربي لها سيعني تراجع مصداقية الردع الأمريكي عالميًا، خاصة أمام الصين.
هنا تبرز أهمية العلاقة الاستراتيجية المتنامية بين روسيا والصين. فزيارة الرئيس فلاديمير بوتين إلى بكين ولقاؤه مع الرئيس شي جين بينغ تعكس مستوى متقدمًا من التنسيق السياسي والاقتصادي والعسكري، حتى وإن لم يصل إلى تحالف رسمي كامل. فالصين تنظر إلى الحرب الأوكرانية باعتبارها فرصة لإشغال الولايات المتحدة أوروبيًا، بينما تستفيد روسيا من الدعم الاقتصادي والتكنولوجي الصيني لتخفيف آثار العقوبات الغربية.
أما في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، فإن التنافس الأمريكي-الصيني يمثل التهديد البنيوي الأكبر للنظام الدولي الحالي. تسعى الصين إلى تقليص الهيمنة البحرية الأمريكية تدريجيًا، وتوسيع نفوذها الاقتصادي والعسكري في آسيا، بينما تحاول واشنطن بناء شبكات تحالفات مضادة عبر اليابان وأستراليا والهند والفلبين. وفي هذا السياق، تكتسب تايوان أهمية استثنائية، باعتبارها نقطة ارتكاز استراتيجية ورمزًا لمصداقية الردع الأمريكي في آسيا.
السيناريو الأكثر خطورة بالنسبة لواشنطن يتمثل في احتمال تزامن تصعيد روسي في أوكرانيا مع أزمة كبرى حول تايوان. فمثل هذا التزامن سيضع الولايات المتحدة أمام معضلة توزيع الموارد بين المسرحين الأوروبي والآسيوي، وهو ما تحاول المؤسسة الاستراتيجية الأمريكية تجنبه منذ سنوات. لذلك يمكن فهم أي توجه أمريكي نحو تهدئة التوتر مع إيران أو احتواء التصعيد في الشرق الأوسط باعتباره جزءًا من سياسة “إدارة الأولويات”، أي منع فتح جبهة ثالثة تستنزف القدرات الأمريكية في لحظة حرجة.
في هذا الإطار، يمكن تفسير محاولات خفض التصعيد مع إيران بوصفها خيارًا براغماتيًا أكثر منه تحولًا استراتيجيًا دائمًا. فالولايات المتحدة تدرك أن انفجار مواجهة واسعة في الشرق الأوسط سيؤدي إلى تعطيل إمدادات الطاقة العالمية، ورفع أسعار النفط، وتشتيت التركيز العسكري الأمريكي بعيدًا عن أوروبا وآسيا. ومن هنا يصبح احتواء الجبهة الإيرانية ضرورة مرتبطة بحسابات القوة العالمية، لا مجرد مسألة إقليمية.
ويبرز هنا دور اليمن باعتباره إحدى الساحات غير المباشرة للصراع الإقليمي والدولي. فالموقع الجغرافي لليمن عند باب المندب يمنحه أهمية استراتيجية استثنائية، إذ يشكل أحد أهم ممرات التجارة والطاقة العالمية. وقد أدى تصاعد نشاط جماعة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة إلى تحويل البحر الأحمر إلى ساحة ضغط جيوسياسي مؤثرة على الاقتصاد العالمي والملاحة الدولية. لذلك فإن أي تصعيد في اليمن لا يُقرأ فقط ضمن الإطار المحلي أو الإقليمي، بل ضمن معادلة أوسع تتعلق بأمن الممرات البحرية وتوازنات القوى الدولية.
كما أن اليمن يمثل نموذجًا للحروب غير المتماثلة التي تستخدمها القوى الإقليمية كأدوات استنزاف منخفضة التكلفة. فمن خلال دعم الفاعلين المحليين، تستطيع إيران ممارسة ضغط على الولايات المتحدة وحلفائها دون الانخراط المباشر في مواجهة تقليدية شاملة. وهذا النمط من الصراع يعقّد حسابات الردع الأمريكية، لأن تكلفة الاحتواء تصبح مرتفعة زمنيًا واقتصاديًا وسياسيًا.
أما فيما يتعلق بفرضية وجود معلومات أمريكية حول نية روسيا حسم الحرب في أوكرانيا بالتزامن مع تحرك صيني محتمل تجاه تايوان، فهي تبقى ضمن نطاق التحليل الاستراتيجي أكثر من كونها حقيقة مؤكدة. غير أن المؤشرات الحالية تدل على أن واشنطن تأخذ احتمال التنسيق بين موسكو وبكين بجدية متزايدة، خصوصًا في ظل التقارب العسكري والتكنولوجي والسياسي بينهما. كما أن صناع القرار الأمريكيين يدركون أن أخطر سيناريو محتمل هو تشكل محور تنسيقي يضم الصين وروسيا وإيران بصورة متزامنة، لأن ذلك سيؤدي إلى تشتيت القوة الأمريكية عبر عدة مسارح في وقت واحد.
مع ذلك، ينبغي الحذر من المبالغة في تصور وجود تحالف صلب ومتكامل بين هذه القوى. فلكل دولة حساباتها الخاصة وحدود مصالحها. الصين، على سبيل المثال، لا تزال حريصة على تجنب مواجهة عسكرية شاملة قد تهدد اقتصادها وعلاقاتها التجارية العالمية، بينما تسعى روسيا إلى كسر العزلة الغربية أكثر من الدخول في حرب عالمية مفتوحة. أما إيران فتستخدم التصعيد غالبًا كأداة تفاوض وردع إقليمي، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة شاملة مع الولايات المتحدة.
خلاصة القول إن العالم يتجه نحو مرحلة من “التنافس متعدد الجبهات”، حيث تصبح إدارة الأزمات المتزامنة هي التحدي الأكبر للقوى العظمى. وفي هذا السياق، تبدو الاستراتيجية الأمريكية قائمة على مبدأ منع تلاقي الأزمات الكبرى في توقيت واحد، عبر تهدئة بعض الساحات مؤقتًا والتركيز على ساحات أخرى أكثر أولوية. غير أن خطورة المرحلة الحالية تكمن في أن أي سوء تقدير أو تصعيد متزامن بين أوكرانيا وتايوان والشرق الأوسط قد يدفع النظام الدولي إلى مستوى غير مسبوق من عدم الاستقرار، مع تداعيات اقتصادية وأمنية عالمية واسعة.