أثارت تصريحات نائب وزير الخارجية اليمني مصطفى النعمان جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والشعبية اليمنية، بعد أن وصف التقدم نحو صنعاء في المرحلة الراهنة بأنه "غير واقعي"، مشيراً إلى أن الأولوية يجب أن تتركز على تثبيت الاستقرار في العاصمة المؤقتة عدن بدلاً من الحسم العسكري.
وقال النعمان في تصريح لصحيفة "الجزيرة نت" على هامش منتدى الجزيرة في العاصمة القطرية الدوحة، إن التقدم العسكري نحو العاصمة صنعاء غير واقعي في هذه المرحلة بسبب الانقسامات داخل المعسكر الحكومي وعدم الاستقرار في الجنوب، موضحاً أن الأولوية يجب أن تتركز على تثبيت الاستقرار في عدن وتحسين الأمن والخدمات، بما يقدّم نموذجاً أفضل من شأنه إضعاف قبضة جماعة الحوثي على صنعاء مع مرور الوقت.
وأوضح نائب الوزير أن الخطة الخاصة بتوحيد القوات العسكرية والأمنية موجودة نظرياً، إلا أن تنفيذها لا يزال "صعباً للغاية ويستغرق وقتاً طويلاً" نتيجة المشهد العسكري المعقد وتعدد التشكيلات المسلحة واختلاف مصادر التمويل والعقائد، مؤكداً أن هذه العملية تحتاج إلى جهد سياسي كبير وتكاليف مالية وأمنية باهظة.
وأشار النعمان إلى أن أمام الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي ثلاث أولويات مترابطة لا يمكن فصلها، تتمثل في استتباب الأمن، وتحسين الخدمات، وضمان صرف المرتبات بانضباط، محذراً من أن أي اختلال في أحد هذه الملفات ينعكس على المنظومة بأكملها.
غير أن هذه التصريحات أثارت موجة من الانتقادات الحادة؛ حيث اعتبر ناشطون ومواطنون يمنيون أن حديث النعمان يعني التخلي عملياً عن خيار التحرير العسكري، في الوقت الذي كان فيه المسؤول ذاته يهدد في وقت سابق بـ"التحالف مع الحوثي" إذا لم يتم إيقاف المجلس الانتقالي الجنوبي، وفق ما أشار إليه منتقدوه.
ورأى مراقبون سياسيون أن تصريحات النعمان تحمل اعترافاً ضمنياً بتقسيم اليمن إلى شطرين؛ شمالي تحت سيطرة مليشيا الحوثي، وجنوبي تديره مكونات سياسية متعددة ومتصارعة.
وتساءل يمنيون ء: "إذا كانت الحكومة تقبل بهذا الواقع، فلماذا شنت حملة شرسة ضد المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يطالب بالانفصال؟"
ويثير هذا النهج تساؤلات جوهرية حول مدى واقعية الأولويات التي حددتها الحكومة؛ فاستتباب الأمن، وفق محللين، سيظل هدفاً بعيد المنال طالما أن مليشيا الحوثي وحلفاءها من تنظيم القاعدة مستمرون في إثارة المشاكل وتصعيد الخروقات الأمنية، ما يضع الحكومة في دوامة لا نهاية لها بعيداً عن هدف التحرير.
أما تحسين الخدمات وصرف المرتبات، فيرتبطان بتوفر عائدات مالية ضخمة لا يمكن الاعتماد فيها إلى ما لا نهاية على الدعم السعودي، وهو ما يطرح سؤالاً محورياً: إلى متى ستستمر الحكومة اليمنية في الاعتماد الكلي على المملكة اقتصادياً؟
ويشير خبراء اقتصاديون إلى أن استعادة السيادة على الموارد الوطنية من قبضة مليشيا الحوثي هو السبيل الوحيد لتحقيق الاستقلال المالي؛ فالمليشيا تسيطر حالياً على مصادر دخل هائلة تشمل: رسوم مرور الطائرات في الأجواء اليمنية، وعائدات الاتصالات، وموانئ استراتيجية في البحر الأحمر، فضلاً عن الإتاوات المفروضة على السفن التجارية.
كما تواصل المليشيا منع الحكومة اليمنية من تصدير النفط من خلال التهديد بضرب المنشآت النفطية بالصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة، ما يحرم الخزينة العامة من مليارات الدولارات سنوياً.
وفي ظل هذا الواقع، يرى محللون عسكريون وسياسيون أن الخيار العسكري يجب أن يكون أولوية الأولويات، خاصة بعد الفشل الذريع للمجتمع الدولي والمبادرات السلمية في إقناع الحوثيين بالسلام، فيما تواصل المليشيا الاستعداد وبناء قدراتها العسكرية بهدف اجتياح المحافظات المحررة.
ويحذر المحللون من أن استمرار سياسة "الانتظار والترقب" تحت شعار "استتباب الأمن وتحسين الخدمات" لن يؤدي إلا إلى مزيد من التمكين للمليشيا، وتعميق الانقسام، وضياع فرصة استعادة الدولة الموحدة، في وقت يحتاج فيه اليمنيون إلى استراتيجية واضحة تجمع بين الحسم العسكري والبناء المؤسسي، لا إلى خطاب يكرس الأمر الواقع تحت مسميات براغماتية.