لم يعد ما يجري في حضرموت تفصيلًا عابرًا في مشهد يمني مضطرب، بل تحوّل إلى نقطة ارتكاز سياسية تعيد رسم حدود الممكن والممنوع في مستقبل الدولة.
البيان الذي أصدره حلف قبائل حضرموت، اليوم يمكن تسميته بـ«الفيتو السياسي الحضرمي»، دون أن نقول عنه أنه نزعة انفصالية، ولا تمردًا على الشرعية، ولا اصطفافًا في معسكر ضد آخر، بل إعلان هادئ عن حق الرفض حين تُفرض الخيارات من دون شراكة حقيقية.
هذا الفيتو وُلد من تجربة طويلة مع المركزية، شمالًا وجنوبًا، ومع مشاريع كبرى أرادت استخدام حضرموت بوصفها جغرافيا وثروة، لا شريكًا في القرار، وهو، في جوهره، ردّ سياسي على محاولات القفز على خصوصية الشرق، سواء عبر فرض وصاية جنوبية جديدة، أو عبر تسويات سريعة تُعيد إنتاج دولة فاشلة بثوب مختلف.
حضرموت لا تقول «نعم» للانفصال المتعجل، ولا «لا» لوحدة تُدار بالعقلية ذاتها التي قادت إلى الانهيار؛ ما تقوله بوضوح هو لا قرار مصيري من دون حضرموت، ولا شكل دولة يُفرض عليها، وهذا في حد ذاته انتقال نوعي من منطق التبعية إلى منطق الشراكة.
الفيتو الحضرمي يكتسب مشروعيته من عدة عوامل متداخلة..
أولها، امتلاك الإقليم لمقومات اقتصادية حقيقية من نفط وغاز وثروة سمكية وموقع استراتيجي، تجعل أي مشروع دولة من دونه مشروعًا ناقصًا، وثانيها، بنية اجتماعية أقل قابلية للانفجار، قادرة على إنتاج موقف جماعي متماسك نسبيًا، وثالثها، خطاب سياسي غير صدامي، يطرح البدائل بدل الاكتفاء بالاعتراض.
الأهم أن هذا الفيتو لا يستهدف الجنوب كقضية، بل يصحّح مسارها؛ فحق تقرير المصير لا يمكن أن يكون انتقائيًا؛ وإذا أصرّت بعض المحافظات الجنوبية على فك الارتباط، فإن المنطق السياسي والقانوني ذاته يمنح حضرموت والمهرة وشبوة الحق في تقرير مصيرها بعيدًا عن أي وصاية.. هنا يتحول الفيتو من موقف دفاعي إلى قاعدة لعبة جديدة.
في الوقت نفسه، يميّز هذا الطرح بين معركة الدولة ومعركة السياسة، فالمليشيا الحوثية، مهما طال أمدها، تبقى مشكلة أمنية تُحسم بالقوة، لا مكونًا يُبنى عليه شكل الدولة، ولذلك فإن الفيتو الحضرمي لا يرتبط بوجود الحوثي ولا يُشتق منه، بل يتجه إلى ما بعد استعادة الدولة.. كيف تُدار.. ومن يقرر.. وبأي ضمانات؟
قد يرى البعض في هذا الفيتو تعطيلًا، لكنه في الحقيقة آلية منع لانفجارات أكبر، فهو يجمّد الخيارات الخطرة، ويمنع فرض حلول غير ناضجة، ويفرض على الجميع العودة إلى طاولة تفاوض أوسع، تُناقش شكل الدولة بواقعية لا بشعارات.
الخلاصة أن الفيتو السياسي الحضرمي ليس مشروع دولة بحد ذاته، لكنه قد يصبح كذلك إذا فُرضت البدائل، وهو ليس تهديدًا لوحدة اليمن، بل إنذار مبكر بأن الوحدة لا تُحمى بالإكراه، وأن الاستقرار لا يُبنى على الإقصاء.
في لحظة تاريخية يتغيّر فيها كل شيء، تبدو حضرموت وكأنها تقول للجميع: لسنا حجرًا على رقعة الشطرنج… نحن جزء من الرقعة نفسها، ومن دوننا لن تكتمل اللعبة.
* كاتب صحفي ومحلل سياسي يمني