لماذا الذهب.. قراءة في تدبير إيراني محتمل لشراء الولاءات القبلية في اليمن

لماذا الذهب.. قراءة في تدبير إيراني محتمل لشراء الولاءات القبلية في اليمن

من محمود الطاهر - منذ ساعة

كشفت وكالة رويترز في تقرير نشرته الخميس 23 يوليو 2026، نقلاً عن أربعة مصادر مطلعة، من بينها مصدران إيرانيان ووزير الإعلام في الحكومة اليمنية ومحلل أمني إقليمي، أن إيران أرسلت قادة ومستشارين عسكريين من الحرس الثوري إلى اليمن هذا الشهر، إلى جانب معدات متعلقة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، في خطوة تكشف عن سعي طهران لتعزيز قدرة حلفائها الحوثيين على تهديد الملاحة في البحر الأحمر.

وبحسب المصدرين الإيرانيين، فإن الرحلة التي أقلعت من طهران في 13 يوليو، كانت تقل ما بين عشرة وواحد وعشرين عنصراً من الحرس الثوري، بينهم قادة كبار، على متن طائرة تابعة لشركة ماهان للطيران، وكانت وجهتها الأصلية مطار صنعاء الخاضع لسيطرة الحوثيين، قبل أن تُحوَّل إلى ميناء الحديدة إثر تعرض مطار صنعاء لهجوم من قوات الحكومة اليمنية.

الذهب جديد الدعم للحوثي
لم يكن أكثر ما أثار الاهتمام في التقرير الحصري الذي نشرته وكالة رويترز هو الحديث عن نقل خبراء من الحرس الثوري الإيراني إلى اليمن، أو شحنات من مكونات الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، فهذه المعلومات تكررت في تقارير دولية عديدة على مدى السنوات الماضية.

لكن اللافت هذه المرة كان الحديث عن نقل كمية كبيرة من الذهب على متن الطائرة نفسها، وهو تفصيل يفتح بابًا واسعًا للتساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة في اليمن، خاصة أنه جاء في توقيت يشهد تصعيدًا غير مسبوق بين الحكومة اليمنية ومليشيا الحوثي الإرهابية، وسط استعدادات عسكرية متسارعة واحتمالات متزايدة لاندلاع مواجهة واسعة.

بحسب ما أوردته رويترز، فإن الطائرة الإيرانية لم تحمل فقط خبراء من الحرس الثوري ومعدات عسكرية، بل نقلت أيضًا كمية من الذهب قالت مصادر الوكالة إنها مخصصة لتمويل أنشطة الحوثيين.. وهذه المعلومة، رغم أنها جاءت دون تحديد حجم الذهب أو قيمته أو كيفية استخدامه، إلا أنها تثير تساؤلًا جوهريًا؛ لماذا الذهب تحديدًا؟

إذا كانت إيران هي المزود الرئيسي للحوثيين بالتكنولوجيا العسكرية، وقطع الطائرات المسيّرة، ومكونات الصواريخ الباليستية، بل وحتى الخبراء الذين يشرفون على تشغيل هذه المنظومات، فإن الجماعة لا تبدو بحاجة إلى شراء تلك القدرات العسكرية من السوق، كما أن الخبراء الإيرانيين لا يعملون كمرتزقة يحتاج الحوثيون إلى دفع رواتبهم.

ولذلك فإن منطق إرسال الذهب لا يرتبط  على الأرجح، بتمويل الجانب العسكري المباشر، وإنما بأهداف أخرى أكثر ارتباطًا بإدارة الحرب على الأرض.

الذهب، بخلاف العملات النقدية، يمثل وسيلة تمويل يصعب تتبعها، ويمكن نقله وتخزينه وتصريفه في أي وقت، كما أنه يحتفظ بقيمته حتى في ظل انهيار العملات أو تشديد العقوبات، ولهذا تلجأ بعض الدول والجماعات المسلحة إلى استخدامه لتمويل أنشطة لا يمكن تمريرها عبر النظام المصرفي، أو تحتاج إلى درجة عالية من السرية.

الحسم في الحرب
وفي الحالة اليمنية، تبدو أهمية الذهب أكبر إذا ما وضعت في سياق التركيبة القبلية للبلاد.

فالتجارب التاريخية أثبتت أن الحروب في اليمن لا تُحسم بالسلاح وحده، بل تلعب القبائل دورًا حاسمًا في ترجيح موازين القوى، سواء بالمشاركة المباشرة في القتال، أو بالحياد، أو بفتح طرق الإمداد، أو بمنعها، أو بتوفير الغطاء الاجتماعي والسياسي لأي طرف.

وخلال السنوات الماضية، تعرضت العلاقة بين مليشيا الحوثي الإرهابية وعدد من القبائل اليمنية لهزات متكررة نتيجة سياسات الجماعة في فرض الجبايات، والاستيلاء على الأراضي، وتهميش المشايخ التقليديين، وإحلال شخصيات موالية لها محل القيادات القبلية، فضلًا عن حملات الاعتقال والانتهاكات التي طالت أبناء قبائل رفضت الانصياع الكامل لسلطتها.

وقد أدى ذلك إلى اتساع فجوة الثقة بين الجماعة والعديد من المكونات القبلية، حتى وإن نجحت في إخضاع بعضها بالقوة.

ومن هنا، يبرز احتمال أن يكون الذهب جزءًا من خطة تهدف إلى إعادة ترميم هذه العلاقة أو شراء ولاءات جديدة قبل الدخول في مواجهة عسكرية واسعة، فالمال كان ولا يزال أحد أدوات إدارة الصراعات في اليمن، سواء من خلال تقديم الهبات، أو دعم شخصيات نافذة، أو تمويل وساطات قبلية، أو تحييد خصوم، أو استقطاب مقاتلين جدد، أو ضمان استمرار خطوط الإمداد والتموين في مناطق النفوذ القبلي.

ويكتسب هذا الاحتمال أهمية أكبر إذا ما نظرنا إلى توقيت وصول الشحنة، فقد جاء ذلك بالتزامن مع تصاعد التهديدات المتبادلة بين الحكومة اليمنية والحوثيين، وإعلان الجماعة فرض حظر جوي وبحري على السعودية، ثم تنفيذها هجمات استهدفت ناقلتي نفط سعوديتين.

كما تزامن مع حديث مصادر عسكرية يمنية عن رفع الجاهزية القتالية واستعداد مختلف الأطراف لاحتمالات الانتقال إلى مرحلة جديدة من المواجهة.

وفي حال كانت إيران تتوقع بالفعل اندلاع حرب برية واسعة داخل اليمن، فإن نجاح الحوثيين لن يعتمد فقط على الصواريخ والطائرات المسيّرة، وإنما على قدرتهم في الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية، ومنع القبائل من الانضمام إلى أي تحرك عسكري مضاد، أو على الأقل ضمان حيادها.

وفي مثل هذه الحالات، يصبح الذهب أكثر قيمة من السلاح نفسه، لأنه قد يستخدم لبناء شبكة من المصالح والولاءات يصعب تحقيقها بالقوة العسكرية وحدها.

ولا يمكن تجاهل أن طهران راكمت خلال العقود الماضية خبرة واسعة في إدارة الحروب غير التقليدية عبر حلفائها في المنطقة، حيث لم يكن الدعم العسكري هو الوسيلة الوحيدة لترسيخ النفوذ، بل رافقته دائمًا أدوات مالية واقتصادية واجتماعية هدفت إلى بناء شبكات محلية قادرة على الصمود في أوقات الأزمات.

ومن هذا المنظور، قد يُنظر إلى الذهب باعتباره جزءًا من هذه الأدوات، وليس مجرد مورد مالي عابر.

كما أن استخدام الذهب يمنح الحوثيين مرونة كبيرة في تجاوز أي قيود مالية قد تفرضها العقوبات أو الرقابة الدولية، إذ يمكن تحويله إلى سيولة نقدية داخل الأسواق المحلية، أو استخدامه مباشرة في عقد صفقات، أو تقديمه كهبات لشخصيات مؤثرة دون أن يترك أثرًا مصرفيًا يمكن تتبعه.

إن توقيت وصول الذهب، بالتزامن مع التصعيد العسكري، ومع الحديث عن استعدادات لخوض مواجهة جديدة، يمنح هذه الشحنة أبعادًا تتجاوز قيمتها المادية.. فهي قد تعكس إدراكًا إيرانيًا بأن المعركة المقبلة، إن اندلعت، لن تُحسم بالصواريخ والطائرات المسيّرة وحدها، بل ستتوقف أيضًا على القدرة على إدارة المجتمع المحلي، وكسب الولاءات، وتحريك القبائل، وتأمين الجبهة الداخلية، وهي معركة قد يكون الذهب أحد أهم أسلحتها غير المعلنة.