أغلقت مليشيا الحوثي الإرهابية، الاثنين 18 مايو 2026، المنفذ الشرقي لمدينة تعز بشكل كامل، حاظرةً دخول المسافرين والمواطنين أو خروجهم عبره.
وأفادت مصادر محلية بأن قرار الإغلاق المفاجئ جاء بسبب انتشار خلاطات الأسمنت التابعة للجماعة في المنطقة، والتي تُستخدم في صب وبناء أنفاق وتحصينات عسكرية في محيط المنفذ، مما تسبّب في توقّف تام لحركة السير ومضاعفة معاناة المسافرين العالقين.
ويأتي هذا الإغلاق بعد مسيرة طويلة من المفاوضات والضغوط المحلية والدولية والأممية، إذ يُعدّ المنفذ الشرقي الذي يربط مدينة تعز بمنطقة الحوبان الشريانَ الوحيد الذي أُعيد فتحه جزئياً في يونيو 2024 عقب ضغوط محلية ودولية وأممية، بعد سنوات من الإغلاق التام ضمن حصار خانق تفرضه الجماعة على المدينة منذ اندلاع الحرب.
وفي 13 يونيو 2024، فُتح المنفذ الشرقي الذي يربط منطقة الحوبان الخاضعة لسيطرة المليشيات مع مدينة تعز، أمام حركة السيارات دون شاحنات البضائع خلال النهار، ولمدة 12 ساعة يومياً فقط.
وعلى الرغم من قِصَر مدة الفتح الجزئي ومحدوديته، دفعت سلطات تعز المحلية في مطلع عام 2026 نحو توسيع ساعات العبور؛ إذ كانت الحركة في المنفذ تقتصر على المركبات والشاحنات الصغيرة لمدة 12 ساعة يومياً فقط، مما يتسبب في ازدحام خانق، فيما تضطر شاحنات البضائع الكبيرة لسلوك طرق جبلية فرعية في ظل استمرار إغلاق الطرق الرئيسية الأخرى.
وأكدت سلطات محافظة تعز التابعة للحكومة الشرعية في مارس 2025 استكمالَ إجراءات فتح المنفذ الشرقي لعبور المسافرين على مدار 24 ساعة خلال شهر رمضان.
وفي السياق ذاته، أعلنت الحكومة اليمنية في فبراير 2026 استعدادها لفتح المنفذ الشرقي على مدار 24 ساعة خلال شهر رمضان، مشيرةً إلى أن القرار جاء بتوجيهات من القيادة السياسية والعسكرية، وداعيةً جماعة الحوثي إلى فتح جميع المنافذ في تعز.
غير أن الحوثيين لم يلتزموا بمضمون تلك الإعلانات، وعادوا اليوم ليُغلقوا المنفذ بالكامل، مُستخدِمين محيطه ورقةً عسكرية لصب تحصيناتهم وأنفاقهم، في تحدٍّ صريح لأبسط متطلبات حقوق الإنسان والتنقل المكفولة بالقوانين الدولية.
الحوثيون وتعز.. حصار دائم بأوجه متجددة
لا يمثّل إغلاق المنفذ الشرقي لمدينة تعز اليوم حادثةً عابرة أو قراراً آنياً، بل يكشف عن نهج ممنهج تتبعه مليشيا الحوثي منذ سيطرتها على مداخل المدينة عام 2015؛ نهجٌ يُحوّل الطرق والمعابر إلى أوراق ضغط سياسية وعسكرية، يُحسن توظيفها في اللحظات الحساسة.
فمنذ مطلع 2015، أغلقت جماعة الحوثي الطريق، مما تسبّب في معاناة كبيرة للسكان الذين اضطروا إلى سلوك طرق وعرة تستغرق نحو 6 ساعات من الحوبان إلى مدينة تعز، بدلاً من مسافة ربع ساعة عبر الطريق المغلق.
وطوال سنوات الحرب، فشلت سلسلة من الاتفاقيات والمبادرات في كسر هذا الحصار؛ فكانت أولها اتفاقية وقف إطلاق النار في تعز في 21 يوليو 2015، التي تضمّنت فتح معابر رئيسية في المدينة والسماح بدخول المساعدات الإنسانية، ثم جاء اتفاق ستوكهولم في ديسمبر 2018 نصّاً على فتح الطرق ورفع الحصار، دون أن تستجيب أطراف الحرب لذلك.
ما يجري اليوم لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق العسكري للجماعة؛ إذ إن توظيف المنفذ الشرقي لصب تحصينات عسكرية وأنفاق يكشف عن توجّه استراتيجي واضح، وهو الاستفادة من كل شبر جغرافي لتعزيز الوجود العسكري، حتى لو كان ذلك على حساب الحركة المدنية وحقوق السكان الأساسية.
وتمثّل منطقة الحوبان الصناعية شمال شرق تعز أهم مصدر لجبايات الحوثيين؛ لوجود المصانع والشركات التجارية، مما يجعل الجماعة تنفرد بإدارة المؤسسات الإنتاجية والإيرادات الضريبية والجمركية والموارد التجارية التي تدرّ ملايين الريالات إلى خزينتها في صنعاء، وهو ما يعني أن إغلاق المنفذ ليس قراراً أمنياً بالكامل، بل هو -في جزء منه- إحكامٌ للسيطرة الاقتصادية وتكريسٌ للاحتكار المالي في المنطقة.
تُفرز هذه الحادثة تساؤلات جوهرية حول جدوى مسار التفاوض بين الحكومة اليمنية والمليشيا؛ فرغم الإعلانات المتكررة عن استعداد الجانب الحكومي لفتح المنفذ على مدار الساعة، ورغم التأكيدات الأممية المتراكمة منذ هدنة 2022، تُعيد المليشيا في كل مرة تدوير ملف الحصار من بوابة جديدة - سواء أكانت ذريعةً أمنية، أم اشتراطاً سياسياً، أم اليوم خلاطاتِ أسمنت وأنفاقاً عسكرية.
إن القراءة الموضوعية لهذا المشهد تقودنا إلى نتيجة واحدة: أن الحوثيين لا ينظرون إلى المنفذ الشرقي باعتباره ممرّاً إنسانياً تفرضه الاتفاقيات والقانون الدولي، بل يتعاملون معه بوصفه ورقةً تفاوضية وموقعاً استراتيجياً قابلاً للفتح والإغلاق وفق مقتضيات حساباتهم العسكرية والسياسية. وفي ظل غياب آليات إلزامية حقيقية لتنفيذ الاتفاقيات، سيظل المواطن العالق على جانبَي المنفذ هو الخاسر الوحيد في هذه المعادلة.