كشفت مصادر تربوية مطلعة عن صدور تعميم جديد من قبل جماعة الحوثي استهدف كافة المدارس والمنشآت التعليمية في المحافظات الواقعة تحت سيطرتها، يقضي بإلزامية حضور الطلاب للمراكز الصيفية التي تقيمها الجماعة.
وأوضحت المصادر أن التعميم لم يتوقف عند حد الدعوة للحضور، بل ذهب إلى أبعد من ذلك باعتبار هذه "الدورات الصيفية" بمثابة فصل دراسي ثالث متمم للمنهج الدراسي المقرر.
وأشارت الأنباء إلى أن هذا الإجراء قد يربط بين حضور هذه المراكز وبين السجلات الأكاديمية للطلاب أو نتائجهم النهائية.
يأتي هذا التحرك في إطار سعي الجماعة لتكثيف أنشطتها التعبوية خلال الإجازة الصيفية، وسط مخاوف متزايدة من أولياء الأمور حول تسييس العملية التعليمية وفرض أجندات فكرية معينة على الطلاب خارج إطار المناهج الرسمية المتعارف عليها.
هذا وكانت قد حذّرت نقابة المعلمين اليمنيين المواطنين في مناطق سيطرة الحوثيين من دفع أبنائهم إلى المراكز الصيفية التي تنظمها المليشيا، مؤكدة أنها تُستخدم لأغراض "التعبئة الفكرية والتجنيد".
وقالت النقابة، في بيان؛ إن الحوثيين توسعوا- منذ سيطرتهم على صنعاء- في إنشاء هذه المراكز لاستقطاب الأطفال والشباب، مشيرة إلى أنها تُستغل لنشر أفكار طائفية تهدف إلى تغيير الهوية الوطنية وغرس مفاهيم تتعارض مع القيم اليمنية.
وأضافت أن هذه الأنشطة تأتي ضمن مشروع يستهدف قطاع التعليم عبر مسارين : "إعادة تشكيل الوعي عبر مناهج وأنشطة فكرية"، و"الضغط المعيشي على المعلمين عبر انقطاع الرواتب منذ عام 2016"، وهو ما انعكس سلبًا على العملية التعليمية.
وأكدت النقابة أن استمرار توقف مرتبات المعلمين أدى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية للكوادر التعليمية، ودفع بعضهم إلى النزوح.. مطالبة بصرف المستحقات المالية المتأخرة.
ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل للحد من "تسييس التعليم" وضمان حماية الأطفال، إلى جانب الضغط لصرف مرتبات المعلمين وفق القوانين المعمول بها.
توظيف التعليم للتعبئة والتجنيد
يرى متخصصون في علم النفس التربوي أن ما تقوم به جماعة الحوثي يتجاوز بكثير مجرد "دورات صيفية"، إذ يُشكّل ما يُعرف علمياً بـ"التلقين المنهجي" الذي يستهدف المرحلة العمرية الأشد قابلية للتشكّل الفكري.
واعتبار هذه المراكز فصلاً دراسياً ثالثاً وربطها بالنتائج الأكاديمية ليس إجراءً تعليمياً، بل هو أداة إكراه تُحوّل المدرسة من فضاء للمعرفة إلى منصة لترسيخ الولاء الإيديولوجي.
ويشير باحثون في علم الاجتماع السياسي إلى أن هذه الاستراتيجية تنتهج نمطاً موثقاً في تاريخ الحركات الشمولية، يقوم على ثلاثة محاور متوازية، وهي احتلال الفراغ الزمني، من خلال استغلال العطلة الصيفية لملء وقت الأطفال بمضامين أيديولوجية بعيداً عن رقابة الأسرة.
إضافة إلى تفكيك المرجعية الأسرية، من خلال إضعاف دور الوالدين بجعل الامتثال لهذه المراكز شرطاً أكاديمياً لا خياراً.
وأخير العمل إعادة بناء الهوية، ومحاولة استبدال الانتماء الوطني الجامع بهوية طائفية ضيقة تُعزز الاصطفاف الفئوي.
انتهاك لمبدأ مصلحة الطفل
يؤكد خبراء في القانون الدولي الإنساني وحقوق الطفل أن ما يجري يمثّل انتهاكاً صريحاً لمبدأ "مصلحة الطفل الفضلى" المنصوص عليه في اتفاقية حقوق الطفل الأممية، التي تحظر صراحةً تجنيد الأطفال فكرياً أو استغلالهم لأغراض سياسية أو عسكرية.
فضلاً عن ذلك، فإن استمرار قطع رواتب المعلمين منذ عام 2016 يُشكّل ضغطاً ممنهجاً يهدف إلى تفريغ المنظومة التعليمية الرسمية من كوادرها، مما يُسهم في تهيئة الأرضية لنشر التعليم الموازي المُسيَّس.
ويتضح من مجمل هذه المعطيات أن الجماعة تنتهج استراتيجية ممنهجة ذات مسارين متكاملين، إفساد التعليم الرسمي من الداخل عبر الإفقار والتهميش، وبناء منظومة موازية تحت غطاء التعليم تُغذّي مشروعها التوسعي بأجيال مُهيَّئة أيديولوجياً، وهو ما يستدعي تحركاً دولياً عاجلاً لحماية حق الأطفال اليمنيين في تعليم محايد وكريم، بمعزل عن آلة التجنيد والتعبئة.