الشرق الأوسط يعيش مرحلة حرجة غير مسبوقة، حيث تواجه الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً مباشرة مع إيران، حرباً تتجاوز حدود الصراع العسكري التقليدي لتصبح صراعاً استراتيجياً متعدد الأبعاد يشمل القوة العسكرية، السيطرة على الطاقة، النفوذ الإقليمي، والأمن الاقتصادي العالمي.
المواجهة ليست مجرد مواجهة عابرة؛ أي تهاون أو توقف جزئي قد يمنح إيران القدرة على فرض هيمنتها على كامل دول المنطقة، مع تداعيات كارثية على الهيبة الأمريكية واستقرار النظام المالي العالمي القائم على الدولار.
إيران اليوم تتبع استراتيجية شاملة وذكية لتعويض محدودية قوتها العسكرية المباشرة عبر شبكة من الحلفاء الإقليميين، حزب الله في لبنان، الحوثيون في اليمن، والفصائل المسلحة في العراق تعمل كأدوات ضغط متزامنة، لضرب الخصوم على عدة جبهات وإجبارهم على استنزاف الموارد، في محاولة لإعادة رسم ميزان القوة الإقليمي وفق مصالح طهران.
الحوثيون أصبحوا أحد الأوراق الإستراتيجية الأخيرة لطهران، وقدرة هذه المليشيا على تهديد أو إغلاق مضيق باب المندب تجعلهم شريان ضغط فعال على الخليج والعالم، أي تعطيل أو إغلاق طويل المدى للمضيق سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، اضطراب سلاسل الإمداد، وزيادة تكلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها، كما سيضغط على الاقتصاد العالمي بشكل مباشر.
الحرب متعددة الجبهات
في لبنان، حزب الله يمتلك ترسانة صاروخية واسعة وخبرة قتالية طويلة، ما يجعله قوة ردع كبرى ضد إسرائيل، المواجهة معه ستكون مكلفة، وتعكس قدرة إيران على تحويل الحروب التقليدية إلى حروب استنزاف إقليمية.
في العراق، المليشيا الموالية لإيران تخلق حالة ضغط مستمرة على القوات الأمريكية، ما يمنعها من تركيز قواتها على جبهة واحدة ويزيد من تعقيد العمليات.
في اليمن، الحوثيون في حال تدخلهم في الحرب، قد يستخدمون الطائرات المسيرة والصواريخ لمهاجمة السفن والموانئ وتهديد الملاحة في البحر الأحمر، إضافة لمهاجمة دول خليجية ما يجعل الحرب الحالية مرتبطة بشكل مباشر بالأمن الاقتصادي العالمي.
إيران لا تكتفي بالأبعاد العسكرية، بل تمارس حرباً اقتصادية ضد الخليج عبر استهداف منشآت الطاقة، الموانئ، المطارات، والمراكز الحيوية.
تهديد مضيق هرمز، الذي تمر عبره غالبية صادرات النفط الخليجي، يمثل أداة ضغط استراتيجية لإجبار واشنطن وحلفائها على المساومة أو التراجع، الاستهداف المتسارع للطاقة والبنية التحتية يجعل الحرب أكثر من مجرد مواجهة عسكرية، بل اختباراً لقدرة الاقتصاد العالمي على الصمود.
النظام المالي العالمي والدولار
تعتمد الولايات المتحدة على البترودولار منذ السبعينيات، حيث يتم بيع النفط بالدولار وإعادة استثمار العائدات في الاقتصاد الأمريكي، بما يعزز القوة المالية والنفوذ العالمي للولايات المتحدة، وأي توقف طويل أو اضطراب مستمر في صادرات النفط الخليجي سيؤدي إلى انهيار جزئي أو كلي للنظام المالي، وربما يدفع دولاً كبيرة إلى تحويل احتياطاتها المالية من الدولار إلى اليوان الصيني أو الروبل الروسي.
هذا التحول يعيد رسم خريطة التحالفات الاقتصادية ويضعف قدرة واشنطن على الحفاظ على الهيبة العالمية.
إذا تمكنت إيران من استغلال الحوثيين لإغلاق مضيق باب المندب وتهديد صادرات النفط في الخليج، فإن تكلفة الحرب على الاقتصاد العالمي ستكون هائلة، مع احتمال انهيار البترودولار، تهديد احتياطيات دول الخليج، وضغوط على الأسواق المالية الأمريكية، وهذا يجعل استمرار الحرب دون حسم حاسماً للحفاظ على استقرار النظام المالي العالمي.
السيناريوهات الاستراتيجية
الحسم العسكري الكامل، نجاح الولايات المتحدة وإسرائيل في تدمير القدرات العسكرية الإيرانية والبنية النووية والصاروخية سيؤدي إلى انهيار قدرات إيران على شن هجمات مباشرة أو عبر وكلائها،وسيكون نتائج ذلك، هو نجاح أمريكي يعيد تثبيت التفوق العسكري ويؤكد الهيبة الأمريكية عالمياً، ويقابله تراجع النفوذ الإيراني في لبنان واليمن والعراق.
إضافة إلى أن دول الخليج ستستعيد استقرارها والتحكم في ممرات الطاقة الحيوية، وتعزيز قدرة الولايات المتحدة على دعم الاقتصاد العالمي ومنع انهيار البترودولار.
حرب استنزاف طويلة المدى، وهذا قد تستخدم إيران شبكتها من الوكلاء لإطالة أمد الصراع، مع تهديد الحوثيين للممرات البحرية وحزب الله ضد إسرائيل والمليشيا العراقية لإرهاق القوات الأمريكية، ويكون نتائج ذلك زيادة كلفة الحرب على واشنطن وحلفائها، واضطراب أسواق الطاقة وارتفاع أسعار النفط عالمياً، وأخطر ما في هذا الأمر هو تزايد النفوذ الإيراني إذا لم يتم حسم الحرب سريعاً، احتمالية تدخل الصين وروسيا لدعم إيران بشكل غير مباشر لضرب الهيبة الأمريكية.
الفشل الأمريكي أو التهاون، إذا توقفت واشنطن أو لم تحقق أهدافها الاستراتيجية، ستتمكن إيران من فرض هيمنتها الإقليمية الكاملة من خلال السيطرة الكاملة على ممرات الطاقة البحرية والحفاظ على شبكة وكلائها، وإعادة ترتيب النظام المالي العالمي بعيداً عن الدولار الأمريكي، صعود الصين وروسيا كلاعبين أساسيين في الشرق الأوسط، وإعادة الخليج التفكير في منظومة الحماية والتحالفات الاستراتيجية بعيداً عن واشنطن.
تسوية جزئية أو سياسية مبكرة، توقف القتال تحت ضغوط اقتصادية أو سياسية يمنح إيران انتصاراً استراتيجياً دون حسم الحرب، ويؤدي هذا إلى تمكين إيران من استعادة قوتها جزئياً وفرض نفوذها في دول الخليج، وضعف الهيبة الأمريكية أمام حلفائها، وزيادة احتمالات تصعيد لاحق أو إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية.
تبعات الحرب على المدى الطويل
يمكن لتبعات الحرب هذه على المدى الطويل على عدى مستويات العسكرية والاقتصادية والسياسية، والاستارتيجية.
فعلى المستوى العسكري، فإن إيران تستخدم حزب الله، الحوثيين، والمليشيات العراقية للضغط على خصومها على عدة جبهات في الوقت نفسه، وربما قد تمول مليشيا أخرى في دول الخليج العربي، لاسيما في البحرين والمملكة العربية السعودية لقلب نظام الحكم، واستبدال ذلك بنظام شيعي موال لها.
أما على المستوى الاقتصادي، فإن تهديد مضيق هرمز والموانئ الحيوية يربك أسواق الطاقة ويضعف البترودولار، وبالتالي ستعمل إيران والصين وروسيا على فرض الهيمنة الجديدة على سوق الطاقة العالمي، ومن ثم ستصبح إيران إحدى أقوى اقتصاديات المنططقة.
وعلى المستوى السياسية، فإن أي توقف أمريكي يمنح إيران القدرة على فرض نفوذها على دول الخليج الاستراتيجي الدولي، وصعود إيران يعيد رسم موازين القوة، مع دخول الصين وروسيا كلاعبين أساسيين
على المدى الخمس سنوات المقبلة، إذا لم يتم حسم الحرب، فإن الشرق الأوسط سيصبح منطقة تحت النفوذ الإيراني شبه الكامل، مع ازدياد احتمالات انهيار النظام المالي العالمي القائم على الدولار، مما
ستضطر دول الخليج إلى البحث عن تحالفات استراتيجية بديلة، وربما الاستثمار في أنظمة مالية خارج نطاق النفوذ الأمريكي.
إضافى إلى توسع قدرة إيران على الضغط على حلفاء واشنطن اقتصاديًا وسياسيًا، مع تهديد طويل الأمد لأمن الطاقة العالمي.
حتى لا نصل إلى أي من السيناريوهات التي قد تجعل دول الخليج العربي وربما منطقة الشرق الأوسط تحت الهيمنة الإيرانية، ولطائفية، فإنه يجب على صانعي القرار، أن يدركوا أن أي تهاون أو توقف جزئي سيمنح إيران فرصة للهيمنة على المنطقة، فمن الضروري استغلال التفوق العسكري الحالي لحسم الحرب بشكل كامل، بما في ذلك إسقاط نظام الملالي لضمان عدم قدرة إيران على إعادة بناء نفوذها.
يجب أن يكون هناك تعزيزًا لأمن الممرات الحيوية للطاقة في الخليج ومواجهة أي تهديد يفرضه الحوثيون أو وكلاء إيران، ووضع خطة اقتصادية واستراتيجية لضمان استقرار السوق العالمي بعد الحرب ومنع انهيار البترودولار.
من الأهمية ضمان أن كل تحرك سياسي أو عسكري يصب في تحقيق الأهداف الاستراتيجية الكبرى ولا يترك لإيران أي مجال لاستعادة قوتها الجزئية.
الخلاصة
الحرب الحالية ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل صراع استراتيجي شامل على مستقبل الشرق الأوسط والنظام الدولي.
الحوثي، المليشيات العراقية، حزب الله، والممرات البحرية هي أدوات استراتيجية لإيران لفرض نفوذها.
أي تهاون سيؤدي إلى نتائج كارثية على الاستقرار الإقليمي والدولي، مع انهيار محتمل للهيبة الأمريكية والنظام المالي العالمي، وصعود محتمل لنظام متعدد الأقطاب بقيادة الصين وروسيا.
الحسم العسكري والاستراتيجي الكامل هو السبيل الوحيد لمنع إيران من تحويل المنطقة إلى نفوذ دائم لها وتأمين النظام المالي العالمي واستقرار حلفاء واشنطن في الخليج.