في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة حرباً مفتوحة تقودها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضد النظام الإيراني، في محاولة واضحة لإنهاء بنيته القيادية وإعادة تشكيل المشهد الإقليمي، يبرز موقف جماعة الحوثي في اليمن باعتباره أحد أخطر التحولات الصامتة في معادلة الشرق الأوسط.
فالجماعة التي طالما قدمت نفسها كجزء من «محور المقاومة» اكتفت هذه المرة ببيانات تضامن خطابية مع طهران، مؤكدة أن إيران قادرة على المواجهة، دون أن تطلق رصاصة واحدة في المعركة التي تهدد حليفها الأكبر.
هذا الصمت لم يكن عادياً، بل جاء ـ بحسب مصادر دبلوماسية ـ بعد رسائل واضحة عبر وسيط خليجي، تضمنت تحذيراً مباشراً من أن أي تدخل حوثي سيقابل بعملية استهداف فوري لقيادة الجماعة. كما تحدثت المصادر عن تعهدات قُدمت لواشنطن بعدم الانخراط في الحرب.
مختصون في الشأن الإقليمي يرون أن ما يجري يتجاوز مجرد حسابات البقاء، فالحرب الحالية لا تستهدف إيران عسكرياً فحسب، بل تسعى، وفق تقديرات سياسية، إلى إنهاء نموذجها بالكامل واستبداله بترتيب إقليمي أكثر خضوعاً للغرب، لكن المفارقة، كما يقول محللون سياسيون، أن إسقاط إيران لا يعني نهاية الحاجة إلى «العدو المبرر» في المنطقة.
هنا تبرز فرضية خطيرة يتداولها خبراء مختصون: إذا كان النظام الإيراني قد تجاوز الخطوط الحمراء وأصبح عبئاً حتى على بعض الحسابات الغربية، فإن البديل قد لا يكون إنهاء فكرة التهديد، بل نقل مركزه إلى نقطة أخرى أكثر قابلية للإدارة والسيطرة.
ويرى مراقبون أن جماعة الحوثي، بحكم موقعها في خاصرة الخليج وإشرافها على باب المندب والبحر الأحمر، تمثل خياراً مثالياً لتحويلها إلى «بعبع إقليمي» دائم. وجود قوة عقائدية مسلحة على حدود السعودية، وبالقرب من الممرات البحرية الحيوية لمصر والخليج، يخلق حالة توتر مستمرة يمكن توظيفها سياسياً وأمنياً.
ويحذر محللون من أن دول الخليج قد تقع في خطأ استراتيجي جسيم إذا اعتبرت صمت الحوثيين اليوم مؤشراً على تراجع خطرهم. فالجماعة، حتى لو دخلت في تفاهمات تكتيكية مؤقتة، تبقى مشروعاً أيديولوجياً توسعياً يحمل خطاباً عابراً للحدود، ويملك أدوات عسكرية أثبتت قدرتها على تهديد العمق الخليجي والملاحة الدولية.
بل إن بعض الخبراء يذهبون إلى أن إبقاء الحوثي قوياً ومتماسكاً، في حال سقوط النظام الإيراني، قد يخدم تصورات إسرائيلية أوسع تتعلق بإعادة تشكيل خرائط النفوذ في المنطقة، فوجود تهديد دائم في جنوب الجزيرة العربية يمنح مبررات للتوسع الأمني والعسكري، ويعيد ترتيب التحالفات، ويُبقي المنطقة في حالة استنزاف مستمر.
ويشير مختصون إلى أن أخطر ما في المشهد ليس فقط احتمالية وجود تفاهمات مرحلية، بل إمكانية تحويل الحوثي إلى أداة ضغط استراتيجية طويلة الأمد، تُستخدم لابتزاز دول الخليج ومصر، وإعادة رسم معادلات البحر الأحمر، بما يخدم مشاريع توسع ونفوذ لا تتوقف عند حدود معينة.
الرسالة التي يوجهها مراقبون إلى العواصم الخليجية واضحة: لا تنخدعوا بالهدوء المؤقت، فالجماعات العقائدية المسلحة لا تتحول إلى شركاء استقرار بين ليلة وضحاها، وأي رهان على احتوائها دون تفكيك مشروعها بالكامل قد يرتد تهديداً مضاعفاً في المستقبل.
فإذا كانت المنطقة على أعتاب سقوط النظام الإيراني، فإن السؤال الأخطر ليس من سيسقط، بل من سيُعاد إنتاجه.
وهل سيكون الحوثي هو «البديل الوظيفي» الذي يُستخدم لإبقاء الخليج في دائرة القلق الدائم، وتمرير ترتيبات جيوسياسية أوسع؟
في لحظة إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط، يبدو أن الخطر لا يكمن فقط في الحروب المعلنة، بل في الصفقات الصامتة، والحوثي حتى في حال وجود تفاهمات مؤقتة معه، يظل مشروع تهديد استراتيجي لا يجوز الاستهانة به أو التعامل معه كأمر واقع قابل للترويض.