كشفت مصادر عملياتية ومتابعون ميدانيون، في وقت متأخر من الليل، عن تحرك لافت ومثير للتساؤلات، إذ أفادت المصادر بخروج شاحنتين عسكريتين تابعتين لمليشيا الحوثي الإرهابية من «معسكر الصيانة» شمالي العاصمة المختطفة صنعاء، متجهتين نحو محافظة الجوف شمال شرقي اليمن، وعلى متنهما كميات كبيرة من الألغام الأرضية والعبوات الناسفة «المموهة» التي باتت الجماعة تستخدمها سلاحاً استراتيجياً لتعطيل تحركات القوات وإرهاب المدنيين في آنٍ واحد.
وتتواصل هذه العملية في ظل تصاعد ملحوظ في نشاط الجماعة، ومخاوف جدية من زرع حقول ألغام جديدة تهدد حياة المدنيين في المناطق المحاذية للمحافظة، في استمرار لنهج الجماعة الممنهج الذي أسفر، وفق الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، عن مقتل ما لا يقل عن 2316 مدنياً وإصابة 4115 آخرين - بينهم أطفال ونساء - جراء الألغام التي زرعتها المليشيا في محافظات يمنية متعددة خلال الفترة الممتدة بين يناير 2017 ونهاية يناير 2025.
التحرك الحوثي المباغت يأتي في توقيت شديد الحساسية، يتساءل معه محللون عسكريون ومصادر مطلعة، إن كانت مليشيا الحوثي تمتلك معلومات استخباراتية مسبقة عن تخطيط الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً لتنفيذ عملية عسكرية واسعة، تنطلق من محافظة البيضاء في قلب اليمن، وتمتد عبر محاور الساحل الغربي ومحافظة الجوف، أم أن الأمر لا يعدو كونه إجراءً دفاعياً روتينياً تسعى المليشيا من خلاله إلى تأمين امتداداتها الاستراتيجية الشمالية؟
في السياق ذاته، رصدت مصادر دفاعية وأمنية يمنية تحركات صاروخية لافتة، تمثلت في نقل الجماعة منصات صواريخ باليستية ومنظومات طائرات مسيرة إلى محافظة الحديدة والمناطق الساحلية الغربية المطلة على البحر الأحمر، في ما بدا تعزيزاً نوعياً شاملاً لمنظومتها العسكرية على طول الشريط الساحلي، إذ شملت الأسلحة المنقولة، وفق ما أوردته منصات متخصصة في الشأن الأمني، بطاريات صواريخ وأنظمة رادارية جرى نشرها في مواقع قريبة من مدينة الحديدة ومينائها الحيوي.
وكانت الجماعة قد أقامت، منذ توقف الهجمات الأمريكية عليها، سلسلة من التدريبات البحرية والتمارين العسكرية في الحديدة وحجة، وأعادت نشر زوارق غير مأهولة وسفناً، مع تكثيف عمليات الدوريات الاستطلاعية البحرية، في مشهد يوحي بإعادة تهيئة بنيتها التحتية العسكرية للمرحلة المقبلة.
احتمالات عدة
في معرض تقييمهم لهذه التحركات، رجّح محللون عسكريون وسياسيون تحدثوا لصحيفتنا، أن ما يجري قد يندرج في إطار تقاطع أهداف متعددة لا حدث واحد معزول.
وذهب بعضهم إلى أن التزامن بين نقل الألغام نحو الجوف والتعزيزات الصاروخية على الساحل الغربي لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق التوتر الإقليمي المتصاعد بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، لا سيما أن مليشيا الحوثي الإرهابية تتلقى دعماً عسكرياً وتقنياً واسعاً من طهران، وقد أعلنت صراحةً في مناسبات عدة تنسيقها مع إيران في عملياتها الصاروخية؛ ومن ثمّ فإن أي توتر يطرأ على العلاقة الأمريكية الإيرانية ينعكس مباشرةً على طبيعة تحركات الوكلاء الإيرانيين ومستوى استنفارهم في المنطقة.
في المقابل، أشار محللون آخرون إلى احتمال بالغ الخطورة، وهو أن تكون هذه التحركات دليلاً على تسرب معلومات استخباراتية عن الخطط العسكرية اليمنية المرتقبة؛ إذ إن نمط نقل الألغام المموهة تحديداً نحو محاور متاخمة للمناطق التي تشير التقارير إلى احتمال انطلاق عمليات عسكرية منها، يحمل في طياته سمات الاستعداد المضاد الهادف إلى إعاقة تقدم قوات الجيش الوطني أو تأخيره، لا مجرد تأمين روتيني للمواقع.
وفي هذا الشأن، ذكّر المحللون بأن الجماعة لجأت تاريخياً إلى اعتراض خطط القوات الحكومية بزرع الألغام المموهة في الطرق والمحاور المتوقعة للتقدم، وهو ما استدعى في مراحل سابقة عمليات مضنية لنزع الألغام قبل أي تقدم ميداني، كما كشف سابقاً عن نشاط خلايا نائمة زرعتها الجماعة داخل مناطق الحكومة الشرعية لتوظيفها في مراحل الاشتباك.
ثقل استراتيجي
تكتسب محافظة الجوف أهمية استراتيجية بالغة في المشهد العسكري اليمني؛ إذ تقع على الحدود السعودية، وتُشكّل عمقاً جغرافياً ذا قيمة عالية للسيطرة على حركة القوات في شمال اليمن، فيما تُعدّ الطرق الصحراوية التي تربط الجوف بمأرب وحضرموت شرياناً حيوياً لحركة القوات والإمدادات.
أما محافظة البيضاء، التي يُشار إليها بوصفها محوراً مرتقباً للعمليات، فتحتل موقعاً محورياً في قلب اليمن، وتحدّها أربع محافظات جنوبية من جهة، ومحافظات ذمار وصنعاء وإب شمالاً، مما يعني أن نقل المعركة إليها سيطرد الجماعة من عمقها الاستراتيجي ويُقرّبها من مركز حاضنتها الشعبية في الشمال.