إيران والمكابرة… على طريقة صدّام

إيران والمكابرة… على طريقة صدّام

* خيرالله خيرالله - منذ 12 ساعة

كلّما مر يوم، يتبيّن أكثر أن النظام الإيراني الذي صار عمره 47 عاما يواجه حاليا خيارين لا ثالث لهما؛ خيار الاستسلام أمام الشروط الأميركيّة التي لا تختلف كثيرا عن الشروط الإسرائيلية… أو مواجهة حرب مع الولايات المتحدة لا يمكن لإيران الخروج منها سالمة. هل في استطاعة “الجمهوريّة الإسلاميّة” الاعتراف بأن لا مفرّ من التعاطي مع الواقع الجديد في المنطقة بدل الاستمرار في المكابرة على طريقة صدّام حسين. اعتقد صدّام، حاكم العراق، في بداية العام 1991 أنّه سيكون قادرا على التفاوض مع الولايات المتحدة تفاوض الندّ للند على الرغم من أن موقف إدارة جورج بوش الأب كان في غاية الوضوح. كان بين خياري الانسحاب من الكويت، من دون شروط، وبين تعرّض العراق لحرب تعيده إلى العصر الحجري. لم يفهم حاكم العراق الراحل المنطقة والعالم ومعنى موازين القوى.

ليس من عادة الولايات المتحدة نشر قوة عسكرية في حجم تلك التي نشرتها في الشرق الأوسط والخليج من أجل الاكتفاء بعرض قوة ذي طابع رمزي. لا يمكن لدولة، في حجم أميركا، تحريك مثل هذه القوة من دون بلوغ أهداف محدّدة. تتمثّل هذه الأهداف في صفقة ما مع “الجمهوريّة الإسلاميّة” لا تقلّ عن الانتهاء من البرنامج النووي الإيراني ومن الصواريخ الباليستية ومنصاتها. الصواريخ مهمّة والمنصات في أهمّية الصواريخ، إن لم تكن أهمّ منها. يبقى الشرط الثالث المتعلّق بأذرع إيران. أبرز هذه الأذرع “حزب الله” في لبنان الذي ما زال يمارس العناد متجاهلا أنّه خسر “حرب إسناد غزّة” وأنّ سلاحه لم يكن يوما سوى سلاح في خدمة إسرائيل وخدمة كلّ ما يمكن أنّ يساهم في تدمير لبنان. يظلّ المثل الأبرز على ذلك اغتيال رفيق الحريري في مثل هذه الأيّام من العام 2005. اغتال الحزب، الذي ليس سوى لواء في “الحرس الثوري” الإيراني، رفيق الحريري من أجل القضاء على محاولة جدّية لإعادة البلد إلى خريطة المنطقة ووقف استخدامه ورقة في عملية الترويج للمشروع التوسعي الإيراني في المنطقة وجعله يتقدّم في اتجاه البحر المتوسّط.

ستأتي إلى المنطقة حاملة طائرات أميركيّة ثانية، هي الحاملة “جيرالد فورد”. ستأتي للانضمام إلى حاملة أخرى موجودة في الخليج هي “ابراهام لينكولن”. ثمة نيات أميركيّة لا يمكن تجاهلها. على إيران الرضوخ. سيكون ذلك بالحسنى أو بالقوة. لا يمكن تجاهل أنّ “الجمهوريّة الإسلاميّة” خسرت كل الحروب التي خاضتها على هامش حرب غزة التي اندلعت في السابع من تشرين الأوّل – أكتوبر 2023. لا حاجة إلى تكرار أنّ درة المشروع التوسّعي الإيراني، أي “حزب الله”، لم تعد موجودة. لم تعد لدى الحزب سوى ورقة تهديد اللبنانيين بحرب أهليّة في سياق سعيه إلى الاحتفاظ بسلاحه الذي ثبت أنّ لا فائدة تذكر منه عندما يتعلّق الأمر بمواجهة إسرائيل. فوق ذلك، يرفض الحزب أخذ العلم بأن سوريا لم تعد تحت هيمنة إيران.

في مطلع العام 1991، انعقد في فندق “انتركونتيننتال” في جنيف لقاء بين وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر ووزير الخارجية العراقي طارق عزيز. شرح بيكر لطارق عزيز والوفد المرافق له أن لا مجال لأي أخذ ورد وأن ليس أمام العراق سوى الانسحاب من الكويت. قرأ الوزير العراقي الرسالة التي سلمه إياها وزير الخارجية الأميركي ثم تركها على طاولة المفاوضات. تذرع بأن العبارات المستخدمة تجعله عاجزا عن نقل الرسالة إلى صدّام حسين. بقيت الرسالة في مكانها. شاهدتها بنفسي ملقاة على الطاولة في الغرفة التي التقى فيها جيمس بيكر وطارق عزيز. هذا المشهد قابل لأن يتكرر عندما يلتقي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في جنيف بعدما التقاهما في مسقط.

هل فهمت إيران، في ضوء المفاوضات التي جرت في مسقط بين وزير خارجيتها والموفدين الأميركيين أنّ لا مجال للرهان على خلافات بين أميركا وإسرائيل. هل فهمت أنّ لا مفرّ من الاعتراف بأن ملفّ الصواريخ الباليستية ومنصاتها لا يقلّ أهمية عن ملف البرنامج النووي الإيراني وملف الأذرع التابعة لـ”الحرس الثوري” في هذا البلد العربي أو ذاك؟

ليس أمام النظام في إيران غير السعي إلى الاستفادة من تجربة صدّام حسين الذي منعه غباؤه السياسي من استيعاب معنى حشد الولايات المتحدة لقوّة عسكرية في الخليج، مباشرة بعد احتلال الجيش العراقي للكويت. ظنّ صدام أنّ أميركا تمزح وأنّ جيشه لا يزال قادرا على الصمود في الكويت. لم يدر في أي وقت معنى موازين القوى. المخيف في السنة 2026 أنّ إيران تعيد ارتكاب الخطيئة ذاتها التي ارتكبها صدّام في 1991 وكررها في 2003 عندما اتخذ جورج بوش الابن ومساعدوه قرارا بإخراجه من السلطة.

يزيد الأمور تعقيدا في إيران الوضع الداخلي في البلد. يترافق الفشل الخارجي مع فشل داخلي على كلّ المستويات، خصوصا في المجال الاقتصادي. ليس صحيحا أنّ هناك أكثرية إيرانية تعتنق الشعارات التي يطلقها النظام. هناك أكثرية إيرانيّة تفضل ثقافة الحياة على ثقافة الموت. لو لم يكن الأمر كذلك لما كان الشعب الإيراني في مختلف أنحاء البلد في ثورة على النظام منذ مطلع السنة. لا شكّ أنّ الأجهزة الأميركية على علم تام بما يدور في إيران، كذلك إسرائيل التي أدركت قبل غيرها في العام 1979 أن نظام الشاه انتهى ودعت اليهود الإيرانيين إلى مغادرة البلد. وقد غادر معظم اليهود إيران وقتذاك تنفيذا لتعليمات السفارة الإسرائيلية التي كان على رأسها أوري لوبراني.

مسألة أسابيع قليلة نعرف بعدها هل اختار النظام الإيراني سلوك صدّام حسين أم نهج التعقل الذي يفرض عليه الاعتراف بأن هناك ثمنا لا بد من دفعه نتيجة خسارة الحروب، تماما كما فعلت ألمانيا واليابان في نهاية الحرب العالميّة الثانيّة!

* إعلامي لبناني

عن صحيفة العرب