تصحيح تاريخي لمسار العلاقات العربية

تصحيح تاريخي لمسار العلاقات العربية

* د. سالم الكتبي - منذ 12 ساعة

العناوين الكبرى من قبيل الوحدة والتضامن لم تعد كافية لتوجيه القرار الإستراتيجي للدول أو لتبرير الكلفة التي تتحملها في سبيل التزامات صيغت في سياقات تاريخية مختلفة جذريًا عن واقع اليوم. فمع تشابك الاقتصاد العالمي وتعدد مراكز النفوذ، أصبح التفكير البراغماتي -الذي يزن كل علاقة بميزان الكلفة والعائد- هو المنهج الأكثر عقلانية في إدارة السياسة الخارجية. لم تعد الدول تُسأل: مع من تقف خطابيّا؟ بل: مع من تبني استقرارها الاقتصادي، وتعزز أمنها الإستراتيجي، وتضمن استدامة نموها في بيئة دولية شديدة التنافس؟

ورغم استمرار اللغة الدبلوماسية التقليدية التي تؤكد في البيانات المشتركة أن التضامن بين الأشقاء هو الضمانة الحقيقية لصون المصالح وتعزيز الاستقرار، فإن الواقع السياسي في المنطقة يكشف تحوّلًا أعمق في منطق العلاقات بين الدول. القرارات الإستراتيجية لم تعد تُبنى على الخطاب الجماعي بقدر ما تُصاغ وفق حسابات وطنية دقيقة ترتبط بالأمن والاقتصاد وشبكات الشراكات الدولية. لقد أصبحت مفردات التضامن جزءًا من البروتوكول السياسي الذي يحافظ على القنوات مفتوحة ويمنع التصعيد العلني، لكنها لم تعد العامل الحاسم في توجيه السياسات الفعلية، حيث تتجه الدول بصورة متزايدة إلى إدارة علاقاتها بمنطق المصالح المتوازية لا بمنطق الالتزامات الجماعية غير المشروطة.

الحقيقة أن تجارب المقاطعة العربية في التاريخ الحديث، وفي مقدمتها حالة مصر بعد معاهدة كامب ديفيد، قدّمت مثالًا واضحًا على حدود ما يمكن تسميته بالإجماع العقابي. فقد بدا القرار المجحف بحق مصر آنذاك تجسيدًا لأقصى درجات الانضباط السياسي العربي، لكن مسار السنوات اللاحقة كشف مفارقة لافتة: الدولة -مصر- التي استُهدفت بالعقاب أعادت سريعًا بناء شبكات علاقاتها خارج الإطار العربي، واستفادت من تحالفات جديدة ودعم اقتصادي وأمني واسع، ثم عادت لاحقًا إلى المنظومة نفسها، بينما خرج النظام العربي ذاته أكثر انقسامًا وأضعف تأثيرًا. هذه التجربة المريرة رسّخت درسًا إستراتيجيّا بالغ الأهمية: أن رهن القرار الوطني بإجماع متقلب قد يكلّف أي دولة على المدى البعيد أكثر من تحمّل موجة ضغط مؤقتة، وأن تنويع الشراكات قادر على تحويل العزلة إلى فرصة لإعادة التموضع على أسس أكثر استقلالية وصلابة.

اليوم أصبح المشهد أكثر وضوحًا، ولم تعد المنظومة العربية قادرة على إنتاج إجماع ملزم بالمعنى الذي عرفته المنطقة في مراحل سابقة. ما يحدث عمليًا هو مواقف متفرقة وضغوط محدودة التأثير تستخدم فيها بعض الدول أدوات ثنائية لتسجيل مواقف سياسية أو محاولة التأثير في خيارات الآخرين. هذا التبعثر في الإرادة الجماعية جعل كلفة المقاطعة أقل بكثير مما كانت عليه في الماضي، وحوّل محاولات العزل من تهديد بنيوي إلى تحديات موضعية يمكن إدارتها عبر بدائل تحالفية واسعة.

من هنا تتبلور فكرة إعادة ضبط العلاقات العربية على أسس أكثر واقعية. المقصود ليس الانسلاخ عن الفضاء العربي، بل إعادة تعريف العلاقة معه بما يوازن بين الانتماء والمصلحة، ويجعل التعاون قائمًا على المنفعة المتبادلة لا على التوقعات المفتوحة غير المتكافئة. فالدولة التي تمتلك اقتصادًا منفتحًا وشبكات علاقات عالمية واسعة لا يمكن أن تقبل بأن تُعلَّق خياراتها الكبرى على توازنات سياسية مؤقتة، بل تسعى إلى صياغة سياساتها وفق حسابات القوة الفعلية التي تمتلكها.

خلال السنوات الأخيرة برزت في المنطقة دول عربية راكمت قوة اقتصادية ومالية ولوجستية جعلتها أقل عرضة للضغط الجماعي وأكثر قدرة على صياغة خياراتها الخارجية وفق أولوياتها الوطنية. مثل هذه الدول لم تعد مضطرة إلى قبول علاقات غير متكافئة تُفرض عليها تحت عناوين رمزية، بل أصبحت قادرة على إعادة تقييم كل علاقة وفق معيار واضح: ما الذي تضيفه هذه العلاقة فعليًا إلى أمنها واقتصادها ومكانتها الدولية؟ في هذا المنطق، تُعزَّز الشراكات التي تنتج عائدًا ملموسًا، بينما تُراجع العلاقات التي تتحول إلى عبء سياسي أو اقتصادي دائم.

لهذا يبدو التحول الجاري في العلاقات العربية أقرب إلى تصحيح تاريخي منه إلى قطيعة سياسية. فالتغيير الحاصل لا يعني نهاية التعاون العربي، بل انتقاله من مرحلة الشعارات العامة إلى مرحلة الحسابات الواقعية التي تعكس اختلاف القدرات والأولويات بين الدول، وتسمح لكل دولة بأن تدير مصالحها ضمن شبكة أوسع من الشراكات الإقليمية والدولية.

ومع تغيّر موازين القوى في المنطقة والعالم، يصبح من الطبيعي أن تختلف المسارات الإستراتيجية بين دولة وأخرى، وأن تتباين الأدوات التكتيكية التي تستخدمها كل دولة للوصول إلى أهدافها، لأن اختلاف القدرات والموارد والتهديدات يفرض بالضرورة اختلافًا في طرق إدارة المصالح.

الرسالة الأوضح في هذه المرحلة أن العالم العربي يدخل تدريجيّا زمنًا جديدًا في إدارة علاقاته البينية، زمنًا تُقاس فيه قوة العلاقات بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة لا بارتفاع مستوى الخطاب السياسي. وفي هذا السياق، تتأكد حقيقة باتت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى: أن لكل دولة قرارها الإستراتيجي الذي تحدده مصالحها وقدراتها الخاصة، ولكل دولة أيضًا أدواتها التكتيكية التي تختارها بنفسها لتحقيق أهدافها، في نظام إقليمي لم يعد يستجيب للشعارات بقدر ما يستجيب لمن يملك القدرة على صياغة قراره وإدارة تحالفاته وفق حساباته الوطنية.


* كاتب إماراتي

عن صحيفة العرب