في تحليل رسمي صادر عن معهد تشاتام هاوس (المعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية)، أحد أبرز مراكز الفكر العالمية، حذر خبراء من أن جماعة الحوثي لم تعد تمثل تحدياً أمنياً يقتصر على المملكة العربية السعودية أو نزاعاً داخلياً يمنياً، بل تحولت إلى مصدر تهديد جماعي مباشر لأمن دول مجلس التعاون الخليجي واستقرارها الاقتصادي.
جاء التحليل، الذي نُشر في 14 أكتوبر 2026 تحت عنوان «حرب اليمن ليست مشكلة السعودية وحدها.. بل مشكلة الخليج أيضاً»، من إعداد سنام فاكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المعهد، وفارع المسلمي، الباحث في البرنامج نفسه. وأكد الباحثان أن التطورات العسكرية الأخيرة في اليمن كشفت حدود الخيارات العسكرية المتاحة للرياض، وأظهرت في الوقت ذاته نقاط الضعف الهيكلية التي تعاني منها دول الخليج أمام التهديدات غير التقليدية مثل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.
وأشار التحليل إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة على مطارات الرياض وأبها والدمام أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 20 شخصاً وإصابة مئات آخرين، بالتزامن مع استهداف منشآت نفطية سعودية.
واعتبر المعهد أن هذه الهجمات أثبتت هشاشة البنية التحتية الحيوية في دول مجلس التعاون أمام التهديدات غير المتكافئة، مؤكداً أن المخاطر لا تقتصر على السعودية وحدها.
واستشهد التحليل بهجوم الحوثيين على منشآت نفطية ومطار أبوظبي في يناير 2022، الذي أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة ستة، كدليل واضح على قدرة الجماعة على ضرب أهداف حيوية خارج حدود اليمن.
وكتب الباحثان صراحة: «اليمن والحوثيون أصبحوا تحدياً أمنياً جماعياً لدول الخليج. ومن الخطأ الاستمرار في التعامل مع الحرب باعتبارها صراعاً داخلياً أو مشكلة أمنية سعودية فقط».
وأوضح التحليل أن هجمات الحوثيين على البنية التحتية للنقل في السعودية تهدد دول الخليج الأخرى أيضاً، خاصة في ظل الدور المتزايد الذي تلعبه الشبكة البرية السعودية كمسارات بديلة للإمدادات والتجارة في ظل الاضطرابات في مضيق هرمز.
وأضاف المعهد أن استمرار الاعتماد على مقاربة سعودية منفردة أو اعتبار الصراع شأناً يمنياً داخلياً يمثل خطأً استراتيجياً قد يضاعف الكلفة على المنطقة بأكملها. ودعا دول مجلس التعاون إلى الانتقال من مرحلة إصدار بيانات الإدانة والدعم إلى صياغة استراتيجية خليجية موحدة وشاملة، تجمع بين البعد الأمني والسياسي والاقتصادي.
وحذر التحليل من أن الخيارات المتاحة أمام السعودية محدودة ومحفوفة بالمخاطر. فالتصعيد العسكري عبر استئناف الضربات الجوية أو دعم هجوم بري قد يعيد الرياض إلى حرب مكلفة شابتها أخطاء في التخطيط والإدارة سابقاً.
أما سياسة الاحتواء فقد أثبتت محدوديتها، إذ سمح الهدوء النسبي بعد هدنة 2022 للحوثيين بتعزيز قدراتهم وتوسيع سيطرتهم. في المقابل، يواجه مسار التفاوض عقبة أساسية تتمثل في اعتقاد الحوثيين بأنهم يحققون مكاسب عسكرية، مما يقلل من دوافعهم لتقديم تنازلات جوهرية.
وشدد المعهد على ضرورة معالجة الخلافات داخل مجلس التعاون نفسه، وفي مقدمتها التباينات بين السعودية والإمارات، معتبراً أن أي استراتيجية موحدة لن تنجح دون توافق خليجي حقيقي على مستقبل اليمن السياسي. كما دعا إلى دعم أكثر فعالية لمؤسسات الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، والعمل على تسوية سياسية شاملة تُشرك جميع الأطراف، بما فيها الحوثيون، بشرط التزامات قابلة للتحقق بشأن نزع الأسلحة الثقيلة.
وخلص تحليل تشاتام هاوس إلى أن استقرار اليمن أصبح مصلحة خليجية طويلة الأمد، ليس فقط لأسباب أمنية، بل أيضاً بسبب الانهيار الاقتصادي وشح المياه والضغوط السكانية التي قد تمتد تداعياتها إلى دول الجوار.
وأكد أن التعامل الجماعي المنسق هو السبيل الوحيد لتجنب إعادة إنتاج الظروف التي سمحت للحوثيين بتعزيز نفوذهم على مدى أكثر من عقد من الزمن.
يأتي هذا التحليل في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيداً متجدداً في اليمن، مع عودة المواجهات إلى مستويات الحرب الشاملة عقب التقدم الحوثي قرب مضيق باب المندب الاستراتيجي، مما يعيد طرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الأمن الجماعي في الخليج.