السعودية تعيد ترتيب أوراق اليمن.. من اختراق الساحل الغربي إلى إعادة تشكيل التحالفات واستعادة باب المندب

السعودية تعيد ترتيب أوراق اليمن.. من اختراق الساحل الغربي إلى إعادة تشكيل التحالفات واستعادة باب المندب

الحديدة لايف: خاص - منذ ساعة

في توقيت تشهد فيه اليمن تحولاً ميدانياً غير مسبوق منذ سنوات، جاء خطاب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أمام مجلس الشورى، أمس الأربعاء، ليحمل رسائل تتجاوز التأكيد التقليدي على دعم الحل السياسي، خصوصاً مع تأكيده أن المملكة «تبذل كل جهد ممكن لخفض التصعيد ودعم الحلول الدبلوماسية من دون أدنى تهاون في حفظ أمنها»، بالتوازي مع قوله إن الرياض «لن تتردد بالرد الحازم على أي تهديد أو اعتداء يستهدف المساس بأمنها»، وفي نفس الوقت أكد دعم المملكة، من خلال تحالف دعم الشرعية، للحكومة اليمنية لبسط سلطتها على كامل البلاد والتصدي لاعتداءات مليشيا الحوثي الإرهابية.

وتكتسب هذه التصريحات أهمية أكبر بالنظر إلى التطورات التي شهدتها اليمن خلال سبتمبر، بعدما تمكنت مليشيا الحوثي الإرهابية من التقدم على الساحل الغربي والسيطرة على المخا ومناطق وجزر قريبة من باب المندب، فيما أفادت الأمم المتحدة بأن الوضع حول المضيق أصبح أكثر تقلباً، وأن الحكومة اليمنية بدأت هجوماً مضاداً بالتزامن مع التقدم الحوثي.

وأكدت تقارير ميدانية استمرار المواجهات في مناطق جنوب غرب تعز ولحج، بينها جبل حبشي ومناطق قريبة من باب المندب.

اختراق الساحل.. عامل عسكري أم استخباراتي؟
في هذا السياق، يكتسب المقال الذي نشره نواف عبيد في «الجزيرة الإنجليزية» أهمية خاصة، ليس باعتباره تحقيقاً رسمياً، وإنما باعتباره قراءة يقدمها باحث متخصص في دراسات الحرب ومستشار سابق للحكومة السعودية. ويطرح المقال رواية تقول إن انهيار الجبهة الغربية لم يكن أساساً نتيجة التفوق العددي للحوثيين، وإنما نتيجة منظومة استخبارات وقيادة وسيطرة روسية-إيرانية، جرى دمجها مع اختراق بشري داخل قوات المقاومة الوطنية.

وبحسب المقال، وفرت القدرات الروسية معلومات جغرافية واستخبارات إشارات ساعدت في رسم صورة عن انتشار القوات ومسارات تحركها ومقار القيادة والاتصالات، فيما قامت إيران بدمج هذه المعلومات مع المعلومات التكتيكية الحوثية والمعلومات البشرية من داخل الميدان.

ويقول عبيد إن هذا الدمج كشف ثغرات في الاتصال بين قيادة القوات المشتركة والمقاومة الوطنية، وأدى إلى وصول معلومات غير دقيقة إلى القيادة وصدور أوامر مشوشة أو متلاعب بها إلى الميدان.

ويضيف المقال أن بعض الوحدات اكتشفت عند استدعائها أن نسبة كبيرة من الأفراد المسجلين لم تلتحق فعلياً بوحداتها، وأن خلل صورة الانتشار الميداني حدّ من قدرة الطيران على تنفيذ بعض الضربات بسبب صعوبة التحقق من مواقع القوات الصديقة. ويقول إن السعودية بدأت بعد تجربة المخا في إدخال فرق مشتركة للربط والاستهداف، وتعزيز إجراءات التحقق من الأوامر والاتصالات، بما في ذلك فرق JTAC وفرق الارتباط العملياتي OMLT. وهذه التفاصيل، حتى وإن بقي بعضها بحاجة إلى تحقق مستقل، تعطي تفسيراً مختلفاً لانهيار الجبهة، يقوم على تفكيك منظومة القيادة والسيطرة وليس فقط على موازين القوى التقليدية.

الأكثر أهمية في المقال هو قوله إن الضربات التي وقعت في صنعاء خلال سبتمبر استهدفت، وفق روايته، أجزاء من منظومة القيادة والسيطرة الحوثية المدعومة إيرانياً، وأن خسائر كبيرة طالت قيادات ميدانية وعناصر اتصالات.

من سقوط الساحل إلى إعادة بناء التحالفات
المتغير الآخر هو التحرك السعودي على مستوى التحالفات، ففي أغسطس وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاق دفاع مشترك في مكة، ينص على اعتبار أي اعتداء على إحدى الدول الثلاث اعتداءً على الجميع، فيما اجتمع رؤساء أركان الدول الثلاث في الرياض خلال سبتمبر لبحث تعزيز التعاون الاستخباراتي والتنسيق العسكري وتكامل القدرات.

وبعد تصاعد الهجمات الحوثية، أعلن وزير الدفاع الباكستاني أن بلاده ستدافع عن السعودية «بكل الوسائل المتاحة»، مع بقاء طبيعة المشاركة العملياتية الباكستانية في اليمن غير معلنة.

وفي الوقت نفسه، ظهرت مؤشرات على إعادة فتح قنوات التعاون السعودي-الإماراتي بعد الخلاف الذي انعكس على الملف اليمني؛ فقد التقى نائب رئيس دولة الإمارات الشيخ منصور بن زايد آل نهيان ولي العهد السعودي ووزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان في الرياض في 29 سبتمبر، في أول زيارة إماراتية رفيعة المستوى منذ الأزمة بين البلدين، وجاء اللقاء في ظل تصاعد الهجمات الحوثية والتغير الكبير في خارطة السيطرة اليمنية.

وهذا التقارب مهم بالنسبة لليمن تحديداً، لأن الإمارات تمتلك خبرة وشبكة نفوذ عسكرية وسياسية واسعة في جنوب اليمن والساحل الغربي، كما أن تشكيلات يمنية مدعومة إماراتياً كانت من أبرز القوى التي خاضت المعارك ضد الحوثيين على الساحل، ولذلك فإن إعادة تنسيق الأدوار بين الرياض وأبوظبي، إذا تحولت إلى ترتيبات ميدانية فعلية، يمكن أن تغير طبيعة الحسابات العسكرية حول باب المندب.

باب المندب يتحول إلى هدف استراتيجي
لم يعد ملف باب المندب قضية يمنية محلية فقط، فالسعودية أعلنت بوضوح رفض استخدام الممرات المائية كأداة ضغط سياسي أو اقتصادي، وأكد مجلس الوزراء السعودي أهمية حرية الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن.

وسبق لقيادة القوات المشتركة للتحالف أن أعلنت اتخاذ إجراءات لحماية السفن التجارية في باب المندب والتعامل مع تهديدات الحوثيين للملاحة.

وفي المقابل، أكدت الأمم المتحدة أن التقدم الحوثي باتجاه باب المندب والجزر الواقعة في جنوب البحر الأحمر خلق مخاطر جديدة على الأمن البحري، رغم استمرار حركة الملاحة التجارية في المرور عبر البحر الأحمر حتى الآن، كما دعت مجموعة السبع الحوثيين إلى وقف الهجمات والعودة إلى العملية السياسية، مع تأكيد دعمها للحكومة اليمنية وللسعودية.

بداية مرحلة عسكرية جديدة
قراءة تصريحات الأمير محمد بن سلمان في سياقها السياسي والعسكري لا تسمح بالقول إن السعودية أعلنت قراراً بحرب شاملة أو أن عملية محددة لاستعادة باب المندب قد بدأت، لكن ترتيب الرسائل مهم؛ فالحديث عن خفض التصعيد والحلول الدبلوماسية جاء مقروناً بعبارة واضحة عن الرد الحازم على أي تهديد، ثم جاء التأكيد على دعم الحكومة اليمنية لبسط سلطتها والتصدي للحوثيين.

وتزداد دلالة ذلك لأن المسار الدبلوماسي لم يتوقف؛ فالمبعوث الأممي هانس غروندبرغ واصل لقاءاته مع الحوثيين في مسقط ومع الحكومة اليمنية والسعودية، وزار القاهرة في نهاية سبتمبر لبحث التصعيد وتداعياته الإقليمية، وهذا يعني أن الرياض لا تغلق الباب أمام التسوية السياسية، لكنها تتحرك في الوقت نفسه على أساس أن المسار السياسي وحده لم يعد كافياً لضمان أمنها ومصالحها الاستراتيجية.

ومن هنا يمكن فهم الرسالة السعودية باعتبارها انتقالاً من سياسة إعطاء الأولوية لمحاولة الوصول إلى تسوية سياسية إلى سياسة تجمع بين التفاوض والردع والاستعداد العسكري، وإذا استمر الحوثيون في رفض التهدئة واستهداف السعودية أو تهديد الملاحة، فإن مساحة الخيارات العسكرية أمام الرياض وحلفائها قد تتوسع، بما في ذلك دعم القوات اليمنية في عمليات تهدف إلى استعادة المواقع الاستراتيجية على الساحل وتأمين باب المندب.

لكن الحديث عن «القضاء على الحوثيين» يحتاج إلى قدر من الدقة، الهدف الذي أعلنته السعودية هو دعم الحكومة اليمنية لبسط سلطتها والتصدي للحوثيين، وليس إعلان خطة معلنة لإبادة الجماعة أو حسم الحرب عسكرياً في عملية واحدة. 
أما عملياً، فإن استعادة المبادرة العسكرية وإضعاف منظومة القيادة والسيطرة الحوثية وقطع قدرتها على تهديد الحدود السعودية والممرات البحرية يمكن أن تكون مراحل ضمن مسار أوسع لإعادة تشكيل ميزان القوى في اليمن.

واللافت أن ذلك يتزامن مع إعادة ترتيب الأدوات السعودية نفسها، تطوير منظومة القيادة والاستخبارات والاستهداف، تعزيز الشراكة مع باكستان وتركيا، فتح صفحة جديدة مع الإمارات، دعم الحكومة اليمنية في مواجهة الهجوم الحوثي، والتشديد على حرية الملاحة في باب المندب.

وعليه، فإن التطور الأهم في المشهد اليمني ليس فقط سقوط أجزاء واسعة من الساحل الغربي، وإنما ما أعقبه من محاولة سعودية لإعادة بناء منظومة العمل العسكري والسياسي على أسس مختلفة.

فإذا ثبتت قدرة هذه المنظومة على معالجة الثغرات التي كشفتها معركة الساحل، فإن المرحلة المقبلة قد لا تكون مجرد محاولة لوقف التقدم الحوثي، بل محاولة لاستعادة المبادرة وفرض معادلة جديدة حول الساحل الغربي وباب المندب، بالتوازي مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً أمام أي مسار سياسي قابل للتنفيذ.