كشفت التطورات الأخيرة في محافظة إب عن مرحلة جديدة من الصراع بين مليشيا الحوثي وقيادات حزب المؤتمر الشعبي العام في مناطق سيطرتها، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على أن الجماعة لم تعد تنظر إلى المؤتمر كشريك سياسي، بل كقاعدة شعبية مؤقتة تسعى لاستنزافها ثم التخلص منها بشكل كامل.
وشهدت المحافظة خلال الأيام الماضية موجة انتقادات غير مسبوقة من قيادات مؤتمرية بارزة، في مقدمتهم مسؤول فرع الحزب في إب عقيل فاضل، الذي اتهم بشكل مباشر الأجهزة الأمنية والقضائية الخاضعة للحوثيين بتفكيك منظومة العدالة، وتحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات للابتزاز والانتهاك والتغطية على المتنفذين.
هذه التصريحات، التي خرجت عن الخطاب التقليدي الحذر داخل المؤتمر، تعكس حجم الاحتقان المتصاعد داخل الحزب، وتؤكد أن ما يجري ليس خلافا عابرا، بل صداما مكتوما بين مشروعين؛ أحدهما يسعى للبقاء السياسي، والآخر يعمل على إقصاء كل الشركاء واحتكار السلطة والثروة.
ويرى مراقبون أن المليشيا الحوثية تتبع سياسة ممنهجة لإضعاف المؤتمر الشعبي العام من الداخل، عبر إقصاء كوادره الإدارية والسياسية، وتجريد قياداته من أي نفوذ حقيقي، مقابل الإبقاء عليهم كواجهة شكلية لا أكثر، تمهيدا لإنهاء وجود الحزب في مناطق السيطرة بشكل كامل.
وفي هذا السياق، أكد القيادي المؤتمري جبران باشا أن ما يجري في إب تجاوز حدود العبث الإداري، ويمس كرامة أبناء المحافظة، في تصريحات اعتبرها كثيرون رسالة غضب من داخل المؤتمر تجاه مشروع الحوثيين القائم على التهميش والإقصاء.
وبحسب مصادر محلية، فإن الجماعة تمضي في عملية إحلال واسعة تستهدف القيادات المؤتمرية والوجاهات الاجتماعية، عبر استبدالهم بمشرفين موالين لها، كثير منهم من خارج المحافظة، يتولون إدارة الملفات الأمنية والمالية والإدارية بشكل مباشر، بينما تُترك السلطات المحلية والقيادات الحزبية في موقع المتفرج.
هذا التحول لا يكشف فقط عن أزمة ثقة بين الطرفين، بل يسلط الضوء على نية حوثية واضحة لتفكيك البنية الاجتماعية والسياسية التي كان المؤتمر يمثلها، خاصة في المحافظات ذات الثقل السكاني مثل إب، والتي تشكل خزانا انتخابيا وشعبيا مهما.
وفي موازاة ذلك، تتصاعد شكاوى المواطنين من نهب الأراضي، والتوسع العسكري في المرتفعات، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، إضافة إلى تدهور الخدمات الأساسية رغم الإيرادات الكبيرة التي تدرها المحافظة لصالح الجماعة.
وتشير تقديرات محلية إلى أن الجزء الأكبر من عائدات إب ينقل إلى صنعاء لتمويل الأنشطة العسكرية وشبكات النفوذ الحوثية، بينما تُترك المحافظة في حالة انهيار خدمي متواصل، الأمر الذي دفع قيادات مؤتمرية للمطالبة علنا بوقف تحويل الموارد والإبقاء عليها لخدمة السكان.
ويرى متابعون أن هذه المطالب تمثل بداية تمرد سياسي داخل المؤتمر ضد سياسة الاستنزاف الحوثية، لكنها في الوقت ذاته تكشف أن الحزب بات يواجه معركة وجودية، عنوانها: إما استعادة دوره واستقلاله، أو الذوبان الكامل داخل مشروع الجماعة.
بالنسبة لقواعد المؤتمر الشعبي العام، فإن ما يحدث اليوم في إب يقدم صورة واضحة عن مستقبل الحزب إذا استمر في الارتهان لمليشيا لا تؤمن بالشراكة، بل تستخدم الجميع كأدوات مؤقتة ثم تتخلص منهم حين تنتهي الحاجة إليهم.
المؤتمر الذي ظل لعقود أحد أكبر الأحزاب السياسية في اليمن، يواجه اليوم أخطر محاولات تفكيكه من الداخل، ليس عبر المواجهة المباشرة، بل عبر الإضعاف التدريجي، وسحب قواعده الشعبية، وتهميش قياداته، وتحويله إلى كيان بلا روح ولا تأثير.
وما يجري في إب ليس سوى نموذج أولي لخطة أوسع تستهدف إنهاء المؤتمر الشعبي العام كقوة سياسية مستقلة، وابتلاع ما تبقى من حضوره التنظيمي والشعبي تحت مظلة المشروع الحوثي.