كشف مسؤول أمريكيـ أن الولايات المتحدة تستعد لتعزيز وجودها العسكري في الشرق الأوسط بصورة كبيرة، مشيراً إلى أنه بحلول نهاية نوفمبر قد تكون ثلاث مجموعات لحاملات طائرات ومجموعتان برمائيتان أمريكيتان في محيط إيران، فيما تتجه مجموعة «ماكين آيلاند» البرمائية إلى المنطقة وعلى متنها أكثر من ألفي عنصر من مشاة البحرية، بالتزامن مع تحرك حاملة الطائرات «ثيودور روزفلت» من سان دييغو.
وقال المسؤول الأمريكي إن وجود هذه القوة يمنح القادة العسكريين الأمريكيين «خيارات عديدة» للتعامل مع إيران، وفقا لما نقلته فضائة الجزيرة القطرية.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تؤكد فيه مصادر عسكرية أمريكية تحرك «ثيودور روزفلت» باتجاه الشرق الأوسط، كما غادرت مجموعة «ماكين آيلاند» البرمائية سان دييغو، في مؤشر واضح إلى رفع مستوى الجاهزية العسكرية الأمريكية في المنطقة. ولم يتسنَّ التحقق بشكل مستقل من جميع الأرقام التي أوردها المسؤول الأمريكي للجزيرة، إلا أن تحرك السفينتين تؤكده تقارير عسكرية أمريكية مفتوحة المصدر.
استعداد إيراني لتوسيع الحرب
في تقرير نشرته «رويترز» اليوم الخميس، قالت مصادر إيرانية إن طهران تستعد لرد «أوسع وأقوى» في حال شنت الولايات المتحدة هجوماً عسكرياً جديداً، وإن قادة عسكريين إيرانيين يراجعون خططاً لتوسيع نطاق الأهداف المحتملة لتشمل مصالح أمريكية ودولاً تدعم العمليات الأمريكية، وربما أهدافاً خارج منطقة الشرق الأوسط.
وبحسب التقرير، أبلغت القيادة الإيرانية إذرعتها في لبنان واليمن والعراق بأن تكون مستعدة للمشاركة في رد منسق في حال تعرض إيران لهجوم أمريكي واسع، مع تصور يمتد من مضيق هرمز إلى المصالح الأمريكية في المنطقة وخارجها.
وأكدت المصادر أن قراراً نهائياً لم يصدر بعد، لكن التخطيط العسكري تكثف مع تراجع فرص التوصل إلى تسوية سياسية.
وهنا تبرز أهمية التطورات اليمنية؛ إذ إن ذكر اليمن في سياق الاستعداد الإيراني ليس تفصيلاً ثانوياً، خصوصاً مع تقدم مليشيا الحوثي الإرهابية باتجاه باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
والولايات المتحدة توسع خياراتها
الصورة التي ترسمها هذه التطورات لا تعني بالضرورة أن قرار الحرب الشاملة قد اتُخذ، لكنها تكشف أن الطرفين يتعاملان مع احتمال تجدد المواجهة باعتباره سيناريو عسكرياً قائماً.
إيران، وفق «رويترز»، لا تستعد فقط للدفاع عن أراضيها، وإنما تدرس توسيع نطاق الرد ليشمل مصالح أمريكية وحلفاء لواشنطن، مع إبقاء جماعاتها المسلحة في المنطقة على أهبة الاستعداد.
وفي المقابل، تعمل الولايات المتحدة على زيادة خياراتها العسكرية، من خلال حاملات الطائرات والقوات البرمائية والقوات المساندة، بما يسمح لها بتنفيذ عمليات جوية أو بحرية أو محدودة على الأرض إذا صدر القرار السياسي بذلك.
ويكتسب هذا التزامن أهمية أكبر بسبب استمرار تعثر المسار الدبلوماسي، فقد طرحت طهران، عبر وسطاء قطريين، مقترحاً لإعادة فتح مضيق هرمز ووقف الأعمال القتالية، فيما تشترط واشنطن إدراج الملف النووي في أي اتفاق، ولا تزال الفجوة بين الطرفين واسعة.
ويرى حميد رضا عزيزي، المحلل في مجموعة الأزمات الدولية، أن القيادة الإيرانية تبدو عازمة على عدم الاكتفاء برد رمزي في حال تعرضت لضربة جديدة، بل تسعى إلى رد تصعيدي بهدف إعادة بناء الردع.
كما يرى أليكس فاتانكا، مدير برنامج إيران في معهد الشرق الأوسط، أن استمرار الضغط الاقتصادي والعسكري قد يجعل التصعيد خياراً مطروحاً بصورة أكبر أمام طهران.
ماذا يعني ذلك لباب المندب؟
إذا كانت طهران تستعد لاحتمال مواجهة أمريكية جديدة، فإن باب المندب يصبح جزءاً من حساباتها، وليس مجرد ساحة يمنية مستقلة.
فامتلاك الحوثيين موطئ قدم متقدماً قرب المضيق يمنح إيران ورقة ضغط إضافية على أحد خطوط التجارة العالمية، بالتوازي مع مضيق هرمز في الخليج، وهذا يعني أن أي مواجهة واسعة مع إيران قد تمتد جغرافياً من الخليج إلى البحر الأحمر، بحيث تتحول اليمن إلى إحدى الساحات التي يمكن أن تستخدم فيها طهران أوراقها غير المباشرة.
وتزداد خطورة هذا السيناريو إذا نجح الحوثيون في تثبيت وجودهم حول باب المندب، لأن ذلك سيمنحهم قدرة أكبر على تهديد الملاحة، ويجعل استعادة المضيق بالنسبة للحكومة اليمنية والدول الداعمة لها مسألة تتجاوز حدود الصراع الداخلي.
وهنا يمكن فهم التحركات السعودية والإقليمية الأخيرة في إطار أوسع؛ فالسعودية تعمل على بناء شبكة ردع وشراكات دفاعية جديدة، في وقت أعلنت فيه باكستان استعدادها للدفاع عن السعودية ضد التهديدات المدعومة من إيران، بينما تتواصل الترتيبات الدفاعية مع تركيا ضمن «اتفاق مكة».
هل تتجه المنطقة إلى حرب شاملة؟
المعطيات لا تسمح بالجزم بأن حرباً شاملة أصبحت حتمية، لكنها تشير إلى أن الأطراف الرئيسية تستعد لسيناريو أكثر خطورة من مجرد تبادل محدود للضربات.
المؤشر الأخطر هو أن التحرك الأمريكي لا يجري بمعزل عن استعداد إيراني لرد أوسع، فيما توجد في المنطقة جبهات يمكن أن تتفاعل في وقت واحد، من هرمز إلى العراق ولبنان واليمن وباب المندب.
وفي حال اندلعت مواجهة واسعة، فإن السؤال لن يكون فقط عن قدرة إيران على ضرب المصالح الأمريكية، وإنما عن قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على تفكيك شبكة النفوذ الإيرانية التي تمتد عبر المنطقة.
الحوثيون في قلب المعادلة
إذا تحولت اليمن إلى جبهة رئيسية في المواجهة، فإن السيطرة الحوثية على باب المندب قد تتحول من مكسب استراتيجي لطهران إلى نقطة استهداف رئيسية للتحالف المناهض لإيران.
وبعبارة أخرى، فإن ما يبدو اليوم توسعاً في نفوذ الحوثيين قد يصبح، في حال اتساع الحرب، أحد أهم أسباب تعرض بنيتهم العسكرية والقيادية لضربات مكثفة، خصوصاً مع وجود عناصر وخبراء إيرانيين يشرفون على العمليات ويقدمون الدعم والتوجيه.
تغيير المعادلة
الحرب الإقليمية الواسعة ستغير بالتأكيد طبيعة المعادلة التي عاشها الحوثيون خلال السنوات الماضية.
فالحوثيون استفادوا طويلاً من كون الصراع معهم يدور أساساً داخل اليمن، ومن قدرة إيران على تقديم الدعم والخبرات دون تحمل كلفة المواجهة المباشرة، وستتعرض بنيته العسكرية ومواقع قيادته وشبكات الإمداد والاتصال التابعة له قد تصبح أهدافاً مباشرة.
وفي المقابل، لا يعني ذلك تلقائياً سقوط الجماعة؛ فالحروب لا تنتهي بمجرد تدمير جزء من القدرات العسكرية، كما أن الحوثيين يمتلكون خبرة طويلة في العمل تحت الضغط وفي إعادة بناء قدراتهم، استغلالا للهدن التي تضغط عليها الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية وتقبلها الحكومة اليمنية.
لكن خسارة باب المندب، إذا حدثت، ستكون مختلفة عن خسارة أي جبهة أخرى؛ لأنها ستضرب إحدى أهم الأوراق الإقليمية التي يمكن لإيران استخدامها عبر اليمن.
وماذا عن النظام الإيراني؟
تقرير «رويترز» لا يتحدث عن استعداد إيران للحرب فقط، بل يكشف أيضاً عن مخاوف داخل القيادة الإيرانية من الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لاستمرار المواجهة، ومن احتمال أن تؤدي الضغوط العسكرية والاقتصادية إلى اضطرابات داخلية جديدة. وبحسب التقرير، فإن بعض المسؤولين الإيرانيين يرون أن استمرار الحصار والضغط الاقتصادي يضع النظام أمام تحديات متزايدة.
لكن الانتقال من إضعاف النظام إلى سقوطه يحتاج إلى عوامل داخلية وإقليمية أكبر بكثير من مجرد الضربات العسكرية.
ولهذا فإن السيناريو الأكثر واقعية في هذه المرحلة ليس القول إن «نهاية النظام الإيراني» أو «نهاية الحوثيين» أصبحت مؤكدة، وإنما أن المنطقة تدخل مرحلة قد تعيد تشكيل ميزان القوى، إذا فشلت آخر محاولات احتواء التصعيد.
وبالنسبة لليمن، فإن الفارق سيكون كبيراً بين تسوية جديدة تعيد تثبيت الوضع الذي كان قائماً قبل التصعيد، وبين مسار عسكري يؤدي إلى تغيير موازين القوة على الأرض.
فبعد نحو عقد من محاولات التسوية التي لم تنتج سلاماً نهائياً، وبعد انهيار حالة الهدوء التي استمرت سنوات، أصبح السؤال المطروح الآن أكثر ارتباطاً بموازين القوة من مجرد وقف إطلاق النار: هل تستطيع إيران الحفاظ على أوراقها الإقليمية إذا دخلت مواجهة مباشرة واسعة مع الولايات المتحدة وحلفائها، وهل يستطيع الحوثيون الاحتفاظ بباب المندب إذا أصبحت استعادته هدفاً إقليمياً ودولياً.. بل هل يستطيع الحوثيين الحفاظ على ما حققوه من مكاسب عسكرية وسياسية منذ اجتياحهم العاصمة اليمنية صنعاء ومحافظات يمنية أخرى؟