كان خصوم الحوثي طوال سنوات يتحدونه أن يوجه سلاحه إلى أمريكا وإسرائيل بدلاً من اليمنيين.
وبين عامي 2023 و2025 وجد الحوثي الفرصة التي انتظرها.. ورفع شعاراته إلى مستوى الفعل، وقدم لأنصاره ما اعتبروه دليلاً على صدق مشروعه، بل نجح في إقناع قطاع من العامة بأن صرخته لم تكن مجرد شعار.
بذلك استطاع في الوعي الشعبي، أن يطمر تحت ركام أحداث غـزة والبحر الأحمر أكثر من عشر سنوات من الحرب التي خاضها ضد اليمنيين ، وأن ينقل صورته من جماعة اقتحمت الدولة وقاتلت المجتمع إلى قوة تزعم أنها تواجه الخارج وتدافع عن الأمة.
اليوم يتحداه خصومه أن يصرفوا الرواتب ويوقف الجبايات ، وأن يخفف الفقر، وأن يقدم للناس دولة بدل الخطب الطويلة والسلاح.
لكن ماذا لو جاءته فرصة جديدة؟؟؟
ماذا لو انتهى التفاوض مع السعودية إلى تدفق مبلغ شهري ثابت ، ثم خرج الحوثي بكشوفات علنية ، وصرف رواتب منتظمة لمقـاتليه وموظفي مناطق سيطرته، وقدم نفسه باعتباره السلطة الوحيدة القادرة على دفع المرتبات وضبط الأمن وإدارة المؤسسات؟
عندها لن يكون الخطر أن الحوثي صرف الرواتب فقط، بل أنه سيحول أموال التسوية إلى شهادة شرعية سياسية، وسيستخدم حاجة الناس إلى الراتب كما استخدم من قبل القضية الفلسطينية كوسيلة لإعادة صياغة صورته ومحو ذاكرة الحرب.
المليشيا لا تتحول إلى دولة لأنها أصبحت عادلة أو وطنية ، بل قد تتحول إلى دولة أمر واقع عندما تفشل الشرعية تماماً في أن تكون البديل على الأرض ، ويصبح خصمها أكثر انتظاماً منها في إدارة الحياة اليومية.
وهنا.. الشرعية لا تخسر أمام الحوثي في الجبهات وحدها فقط، بل تكون قد خسرت أمامه في وعي الناس، وفي الخدمات، وفي صورة الدولة، وفي كل يوم تظل فيه عاجزة ومشتتة ومنفية عن مجتمعها.
أخشى أن يأتي يوم لا يسأل فيه الناس: كيف استولى الحوثي على الدولة؟ بل يقولون على الأقل هو من يدفع الرواتب، وقد شاهدت منشورات لمواطنين تؤكد بأن الحوثي حريص على خدمة البترول والغاز، ولم يعد العوام يتحدثون عن سعر هذه الخدمات أو مصدرها .. بينما مارب ومناطق الشرعية تفتقر لهذه الخدمات !
حين يصل المجتمع إلى هذه القناعة، يكون الحوثي قد قطع أخطر خطوة في طريق التحول من مليشيات إلى سلطة يعتاد الناس وجودها، بينما تظل الشرعية تحمل اسم الدولة دون أن تمارس وظيفتها.
إذا لم تُصلح السعودية فساد ما صنعته في العام 2022 بتشكيلها مجلس القيادة الرئاسي القائم على أساس 8 رؤساء لا واحد .. فالسعودية تعمل جدياً على إصلاح نظام الحوثي ليكون دولة .
هذا ليس اتهام للملكة ، لكنه واقع مشروع للانتقال من خطة لأخرى في ملف هو الأكثر تعقيداً داخل بلاطها، ولا ألومها البته فقد بذلت جهدها في أن تجعل من هذه الشرعية حاكماً داخل البلاد.. وتم خُذلانها.. ولا اعتقد انها راضية عن عبث قرارات التعيين الأخيرة أو إدارة رشاد العليمي للبلاد بقانون الطوارئ لإذلال بقية النواب.
من صفحة الكاتب في الفيس بوك