أتصور أن الأزمات الوطنية حين تبلغ مستوى من التعقيد يهدد المعنى ذاته الذي تقوم عليه فكرة الدولة، يصبح السؤال السياسي أعمق من مجرد البحث عن حلول إجرائية أو تسويات موقتة، ففي مثل هذه اللحظات لا تعود السياسة إدارة للخلاف بقدر ما تتحول إلى اختبار للخيارات الوجودية التي تحدد مصير المجتمعات.
واليمن، في سياق تحولات العقد الأخير، يقف أمام هذا النوع من الاختبارات الحاسمة، حيث لم يعد الصراع في اعتقادي يدور حول توزيع السلطة أو شكل الحكومة، بل حول طبيعة الكيان السياسي نفسه: هل يبقى اليمن دولة ذات سيادة تقوم على فكرة المواطنة؟ أم يتحول إلى مجال نفوذ لمشروع ثيوقراطي عقائدي عابر لفكرة الدولة؟
وعليه، تتبلور هنا المقاربة التي تسعى هذه المقالة التحليلية إلى مناقشتها: لا طريق ثالث بين استعادة الدولة وبين ترسيخ مشروع الولاية.
من المهم أن أشير في المبتدأ إلى أن الخطاب السياسي خلال سنوات الحرب حاول أن يحتفظ بمسافة رمادية بين هذين الخيارين، وكأن الواقع يسمح بتأجيل الحسم أو الالتفاف عليه عبر صيغ توافقية موقتة زادت الطين بلة.
غير أن التجربة العملية أثبتت أن هذه المساحة الرمادية لم تكن سوى تعبير عن عجز سياسي فاضح أكثر من كونها خياراً استراتيجياً مدروساً، فالكيانات التي تقوم على منطق الميليشيات العقائدية لا تنظر إلى التسويات باعتبارها نهاية للصراع، بل كمرحلة ضمن مسار طويل يهدف إلى تثبيت الهيمنة.
وهكذا يتحول كل تأجيل للحسم إلى فرصة إضافية لتعميق اختلال التوازن، بحيث يصبح الزمن نفسه عاملاً فاعلاً في ترجيح كفة المشروع الذي يرفض أصلاً فكرة الدولة الحديثة.
لاحظوا معي من فضلكم أن الحسم في الفكر السياسي، لا يفهم بوصفه فعلاً عسكرياً فحسب، بل باعتباره لحظة إدراك تاريخي لطبيعة الصراع وحدوده، فالحسم يبدأ أولاً في مستوى الوعي، حين يدرك المجتمع أن بعض التناقضات لا يمكن إدارتها داخل الإطار ذاته، لأنها تضرب في الأساس الذي يقوم عليه هذا الإطار.
فضلاً عن ذلك فإن الحسم ليس اندفاعاً نحو القوة بقدر ما هو وضوح في تعريف المشكلة، وعندما يغيب هذا الوضوح، تتحول السياسة إلى سلسلة من المناورات التي تؤجل الانفجار من دون أن تمنع حدوثه.
ولهذا، تحديداً، كان غياب تعريف دقيق لطبيعة الصراع في اليمن أحد العوامل التي أطالت أمد الأزمة وأبقت البلاد في حالة بينية لا هي حرب حاسمة ولا هي سلام مستقر.
إن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه في هذا السياق هو: هل يمكن التعايش مع نقيض الدولة؟
قد يتبدى السؤال في ظاهره نظرياً، لكنه في الواقع يعكس تجربة ملموسة عاشها اليمنيون خلال السنوات الماضية، فالميليشيات التي قامت على أساس أيديولوجي مغلق لم تتعامل مع الدولة بوصفها إطاراً مشتركاً للمجتمع، بل بوصفها غنيمة ينبغي السيطرة عليها أو تفكيكها.
وعليه، لم يكن الصراع هنا بين مشروعين سياسيين متنافسين داخل الدولة، بل هو كما أرى بين منطقين متعارضين: منطق الدولة بوصفها عقداً اجتماعياً، ومنطق الجماعة المغلقة التي ترى في السلطة امتداداً لشرعية دينية / سلالية تريد إعادة عجلة التاريخ للوراء.
وحين يطرح مفهوم التعايش مع هذا النقيض، فإن الأمر في تصوري يشبه محاولة الجمع بين نظامين معرفيين لا يلتقيان في الأساس الذي يقوم عليه كل منهما، فالدولة الحديثة تقوم على فكرة المواطنة المتساوية والعدالة والإنصاف، بينما يقوم مشروع الولاية على تصور هرمي للسلطة يميز بين الناس وفق معيار الانتماء العقائدي أو السلالي.
وفي مثل هذا التناقض البنيوي لا يكون الخلاف مجرد اختلاف في البرامج السياسية، بل اختلافاً في تعريف الإنسان ذاته داخل النظام السياسي.
ولهذا، وفق ما هو موضح أعلاه، يصبح التعايش بينهما أشبه بمحاولة تثبيت معادلة يستحيل تحققها في الواقع.
---
* سامي الكاف- كاتب يمني عن اندبند نت عربية